الفتنة… حين تتحوّل إلى أداة حكم

منبر 23-03-2026 | 11:26

الفتنة… حين تتحوّل إلى أداة حكم

يتطلّب توصيف الواقع دقّةً في الكلمات، لأن الخطأ في التعبير قد يتحوّل تضليلاً في الفهم. وفي لبنان، لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائض المصطلحات التي فقدت معناها. كلمات تُستَخدم بكثرة، وتُفرَّغ من مضمونها عند التطبيق.
الفتنة… حين تتحوّل إلى أداة حكم
فتاة تفترش الشارع في بيروت (أ ف ب)
Smaller Bigger
د. عصام ي. عطالله - أستاذ جامعي- باحث وكاتب 





(بين خطابٍ سياسي يفتقد المعنى، وانهيارٍ اقتصادي يضغط على المجتمع، تصبح الفتنة وسيلةً لإدارة الأزمة بدل معالجتها).
يتطلّب توصيف الواقع دقّةً في الكلمات، لأن الخطأ في التعبير قد يتحوّل تضليلاً في الفهم. وفي لبنان، لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائض المصطلحات التي فقدت معناها. كلمات تُستَخدم بكثرة، وتُفرَّغ من مضمونها عند التطبيق.
 
مصطلحات كـ"النأي بالنفس"، و"الإصلاح"، و"الانتخابات"، تحوّلت إلى عناوين مستهلكة، تُستحضَر عند الحاجة وتُغيَّب عند الاستحقاق. أما الكلمة الأخطر، فهي "الفتنة" التي لم تعد مجرّد مفهومٍ نظري، بل أصبحت أداةً تُستخدم وتُدار ضمن الحياة السياسية اليومية.
 
فالفتنة، في جوهرها، ليست حدثاً عابراً، بل مسار يقوم على التحريض، والتضليل، وبثّ الخوف، وإضعاف الثقة بين الناس. هي انقسام وتشكيك واختبار قاسٍ للمجتمع، وقد تتحوّل إلى صراعٍ مفتوح حين تُترك من دون رادع. والخطر لا يكمن في تعريفها، بل في طريقة التعامل معها، إذ تُختزل أحياناً إلى خطابٍ عابر، أو تُستثمر سياسياً بدل العمل على منعها.
 
في الواقع اللبناني، لا تُواجَه الفتنة في جذورها، بل يُلتفّ عليها. تُؤجَّل معالجتها، أو تُستخدم لتبرير العجز، أو لإعادة شدّ العصبيات عند كل استحقاق. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحوّل الفتنة من خطرٍ يجب احتواؤه إلى وسيلةٍ تُدار ضمن قواعد اللعبة السياسية.
 
وإذا كان اللبناني قد دفع أثماناً باهظة نتيجة الانقسامات، فإن المفارقة تكمن في استمرار إعادة إنتاج الظروف نفسها، من دون محاسبةٍ أو مراجعة. فالخوف، والحاجة، والجهل، لا تزال أدواتٍ فاعلة في توجيه السلوك العام، ما يتيح لمن يُحسن استثمارها أن يمدّد عمر الأزمة.
في موازاة ذلك، برزت ظاهرة لا تقل خطورة: تحويل المأساة إلى مادةٍ للسخرية. صحيح أن السخرية قد تكون وسيلة تعبير، لكنها في الحالة اللبنانية تحوّلت إلى آلية هروبٍ من الواقع، وإلى شكلٍ من أشكال التكيّف مع الانهيار بدل مواجهته. النكات لا تنضب، والواقع يزداد سوءاً، وكأن المجتمع بأسره يعيش حالة إنكارٍ جماعي.
 
غير أن الأخطر هو حين تتحوّل هذه السخرية إلى غطاءٍ غير مباشرٍ للفشل السياسي. حين يُتعامل مع الضحك كبديلٍ من الحلول، ومع التهوين كبديل من المسؤولية، يتكرّس الانحدار. عندها، يغيب الحدّ الفاصل بين الجدّ والهزل، وبين الحكم وإدارة الأزمة.
 
في هذا السياق، يتقاطع الخطاب السياسي مع الانهيار الاقتصادي بشكل مباشر. فبينما تتفاقم الأزمات المعيشية، من تآكل القدرة الشرائية إلى فقدان الخدمات الأساسية، يُستَخدم الخطاب التحريضي أو الشعبوي لتغطية العجز عن المعالجة. تتحوّل الفتنة إلى وسيلةٍ لإلهاء الناس عن الأسباب الحقيقية للأزمة، وصرف النظر عن المساءلة، وتوجيه الانتباه نحو الانقسام بدل الإصلاح.
 
وهكذا، تضيع الأولويات. يغيب النقاش الجدي حول الإصلاح الاقتصادي، وإعادة هيكلة الدولة، واستعادة الثقة بالمؤسسات. ويُترك المواطن وحيداً في مواجهة واقعٍ معقّد، من دون رؤيةٍ واضحة أو أفق قريب.
 
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات، بل إلى إعادة تعريفٍ للمسؤولية. فالفتنة لا تُعالج بالإنكار، ولا بالسخرية، ولا بالتوظيف السياسي، بل بمنع أسبابها: دولة عادلة، مؤسسات فاعلة، ومحاسبة حقيقية. من دون ذلك، تبقى الفتنة كامنة، جاهزة للظهور عند أول اهتزاز.
 
وفي زمن الانهيار، لا يعود السؤال كيف نمنع الفتنة فحسب، بل كيف نمنع تحوّلها إلى أداة حكم.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
اسرائيليات 3/21/2026 10:54:00 PM
ضربة صاروخية على عراد: أكثر من 120 مصابًا وانهيار مبانٍ ومخاوف من عالقين تحت الأنقاض
اسرائيليات 3/22/2026 1:59:00 PM
ذكر سلاح الجو أنّه حتى الآن تم إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي نحو إسرائيل.
لبنان 3/22/2026 2:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي هدّد بتدمير الجسر... فما أهميّته لجنوب لبنان؟