هرمز: من ممر نفطي إلى أداة ردعٍ عالمية

منبر 23-03-2026 | 09:22

هرمز: من ممر نفطي إلى أداة ردعٍ عالمية

ليست المشكلة أن الحرب قد تطول، بل أن قرار إنهائها لم يعد بيد من يخوضها.
هرمز: من ممر نفطي إلى أداة ردعٍ عالمية
خريطة (وكالات)
Smaller Bigger

بسام صراف

 

 

 

ليست المشكلة أن الحرب قد تطول، بل أن قرار إنهائها لم يعد بيد من يخوضها.
عند مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل يومياً، أي نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية للصراع، بل تحوّلت إلى أداةٍ تحكّم بالقرار السياسي والاقتصادي. هنا، لا تُقاس القوة بعدد الصواريخ، بل بالقدرة على تعطيل التدفّقات. وكل تعطيلٍ ولو جزئيّ، يعيد تسعير الاقتصاد العالمي في لحظات.
في هذا السياق، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام معادلةٍ مغلقة: لا يمكنه إنهاء الصراع بسهولة، لأن أي تراجع يكلف الولايات المتحدة ثمناً سياسياً ومالياً فورياً. الأسواق لا تنتظر البيانات الرسمية، بل تُصدر أحكامها في الزمن الحقيقي، وأي إشارة إلى تراجعٍ غير مدعومة بوقائع ميدانية تُترجم فوراً إلى ارتفاعٍ في الأسعار وتآكل في صورة الردع الأميركي.
ما نقله "أكسيوس" و"رويترز"  يعكس هذا التحوّل بوضوح: لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ استراتيجي، بل صار قيداً مباشراً على القرار السياسي. فحين تصبح نقطة جغرافية واحدة قادرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي، تتحول إلى "مفتاح تشغيلٍ" للنظام الاقتصادي بأكمله.
ليست هذه ظاهرة جديدة بالكامل. ففي أزمة النفط عام 1973، استخدمت الدول المنتجة، الطاقة سلاحاً سياسياً وغيّرت موازين القوة بين الدول. لكن الفارق جوهري اليوم: آنذاك كان القرار جماعياً، أما اليوم فهو في يد من يسيطر على نقاط الاختناق، حتى من دون تفوقٍ عسكري شامل. هذه نقلة نوعية في مفهوم الردع.
إيران تدرك هذا جيداً. هدفها ليس الانتصار العسكري التقليدي، بل إبقاء المضيق في حالة تهديدٍ دائم. لا تحتاج إلى إغلاقٍ كامل؛ يكفي رفع مستوى المخاطر إلى الحد الذي يجعل شركات الشحن والأسواق تتصرف كما لو أن الإغلاق واقع بالفعل. هنا تتحقق المعادلة الأخطر: التهديد يصبح أكثر فعالية من التنفيذ.
والنتائج واضحة: ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، قلق متزايد في الأسواق، وضغط اقتصادي على الدول المستوردة. وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي اضطرابٍ واسع في هذا الممر قد يتحول إلى واحدٍ من أخطر صدمات الإمدادات في العصر الحديث. في عالمٍ مترابط، لا تبقى الأزمة محصورةً جغرافياً، بل تنتقل فوراً عبر سلاسل التوريد إلى كل دولة.
أمام هذا الواقع، تحاول واشنطن استعادة المبادرة عبر ما يُعرف بـ "تحالف هرمز" في محاولةٍ لتدويل حماية الممر وإعادة توزيع التكلفة. الفكرة في ظاهرها أمنية، لكنها في جوهرها سياسية: إذا كان النظام العالمي يعتمد على هذا الشريان، فعلى المجتمع الدولي أن يشارك في حمايته. لكن التردد بين الحلفاء واضح؛ أوروبا وآسيا تفضّلان إدارة الأزمة بدل الانخراط في مواجهةٍ مفتوحة، ما يضع الولايات المتحدة أمام خيارين صعبين: التصعيد منفردة، أو قبول استمرار الضغط.
ضمن هذه المعادلة، يبرز خيار "التصعيد الجراحي"،
ضربات محدودة وسريعة تهدف إلى إعادة فتح المضيق من دون توسيع الصراع. وتشير تقديرات Bloomberg إلى أن هذا السيناريو هو الأكثر تداولاً في دوائر القرار. غير أن أي خطأ في التنفيذ قد يحوّل الأزمة من ضغطٍ اقتصادي إلى مواجهةٍ مفتوحة، خصوصاً عند استهداف نقاطٍ حساسة مثل جزيرة خارك، الشريان الرئيس للصادرات الإيرانية.
ما يكشفه هذا الواقع هو تحوّل جوهري في طبيعة القوة: من السيطرة على الأرض إلى التحكم بالتدفّقات. لم يعد السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع تعطيل النظام العالمي بأقل تكلفة. في هذا الإطار، تصبح نقاط الاختناق - الممرات، المضائق، العقد اللوجستية - أدوات ردع. تأثيرها يعادل الترسانات العسكرية التقليدية.
هذا التحوّل يفرض حدوداً جديدة على القوى الكبرى. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تجد نفسها مقيدةً بحساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب. وكلما ازداد الترابط، تقلّص هامش استخدام القوة الصلبة من دون تكلفة مرتدة. في المقابل، تستفيد قوىً أقل تفوقاً عسكرياً من هذه الحساسية، فتُحوّلها إلى ورقة ضغطٍ استراتيجية.
في النهاية، لا يبدو أن الحسم ممكن بالمعنى التقليدي: لا حرب شاملةً ولا سلام مستقراً، بل منطقة رمادية تُدار فيها المواجهة عبر الضغط المستمر. إعادة فتح المضيق لا تعني نهاية الأزمة، واستمرار التهديد لا يعني انفجاراً وشيكاً. إنها حالة استنزافٍ متبادل، يُقاس فيها النجاح بقدرة كل طرفٍ على تحمّل التكلفة أكثر من قدرته على تحقيق نصرٍ حاسم.
الحقيقة الأوضح، وربما الأكثر إزعاجاً، هي هذه:
لم يعد السؤال من يملك قرار الحرب، بل من يملك القدرة على إبقاء العالم في حالة انتظار. وعند مضيق هرمز، لا يُحسم هذا السؤال بالقوة وحدها، بل بالتحكم بما يمرّ عبره. من يسيطر على التدفّق، يملك إيقاع القرار، ويحتكر قدرة العالم على الانتظار.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/22/2026 7:38:00 AM
 لا يخوض الحزب معركة وجودية ضد إسرائيل فحسب استناداً إلى تماهيه مع تلك التي تخوضها إيران في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل ،بل هو يخوضها ضد ما يعتبره محاولة إلغائه حتى في شقه العسكري والأمني من الدولة اللبنانية
اسرائيليات 3/21/2026 10:54:00 PM
ضربة صاروخية على عراد: أكثر من 120 مصابًا وانهيار مبانٍ ومخاوف من عالقين تحت الأنقاض
اسرائيليات 3/22/2026 1:59:00 PM
ذكر سلاح الجو أنّه حتى الآن تم إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي نحو إسرائيل.
لبنان 3/22/2026 2:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي هدّد بتدمير الجسر... فما أهميّته لجنوب لبنان؟