الشرق الأوسط: تحديات الاقتصاد والجيوبوليتيكا
د. نواف القنطار
تؤكد الأحداث الخطيرة الجارية حالياً في الشرق الأوسط، أن المنطقة لا تزال تمثل إحدى العقد المركزية في بنية النظام الدولي، الأمر الذي يدفع بلدانها لمواجهة تحديات مستمرة من صراعات سياسية وأزمات اقتصادية وتوترات أمنية، تؤثر على الاستقرار والتنمية في المنطقة وتستنزف مواردها، ذلك أن تشابك المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية، جعلها ويجعلها، ساحة لتفاعلات إقليمية ودولية مختلفة.
تقترن هذه الأهمية البنيوية على مدى العقود الأخيرة، بحالة من عدم الاستقرار المزمن، وتكشف عن صراعات ممتدة داخلياً وإقليمياً وأزمات معقدة ضمن هياكل الدولة ( الشرق الأوسطية)، واختلالات في نماذج التنمية فيها ـ سواء من حيث ضعف المؤسسات الاقتصادية أو مفهوم الشرعية السياسية ـ فإذا كان الاستقرار السياسي أساساً لأي تقدم مستدام، فإن النزاعات الداخلية والتوترات الإقليمية أثرت وتؤثر في بنى مؤسسات الدولة وأضعفت وتضعف التنمية الاقتصادية في قطاعاتها المختلفة. ومن هنا، وفي خضم البحث عن حلول جذرية لتلك الأزمات أخذ يتعزز ـ على مدى العقدين الأخيرين ـ مفهوم الحوكمة كضرورة ملحة لإعادة بناء الدولة، عبر تعزيز الشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون، كما أصبحت عملية توسيع المشاركة السياسية وفتح المجال الاجتماعي والثقافي تشكل عنصراً هاماً في تجاوز أنماط الحكم المغلقة التي غالباً ما ترتبط بزيادة احتمالات عدم الاستقرار في هذا البلد أو ذاك، ولا شك في أن الانفتاح على الآخر لا يمنح الشرعية السياسية فحسب، بل كذلك يخلق بيئة مستقرة للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
على الرغم من الإمكانيات الكبيرة للتكامل الاقتصادي الإقليمي، يظل التعاون بين دول المنطقة محدوداً بسبب تضاد مصالح القوى المتنافسة والاختلافات والاصطفافات الاقتصادية المؤثرة في سياسات تلك البلدان التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. ولذلك أخذ عدد من بلدان المنطقة يجني ثمار سياساته التي وجهها نحو تنويع الاقتصاد عبر تطوير الصناعة، والسياحة، والتكنولوجيا، والخدمات المالية، ويعمل على مواكبة التطور العالمي والاستثمار في التعليم والابتكار وبخاصة في التكنولوجيا والتحول الرقمي، من خلال الحكومات الرقمية، ودعم الشركات الناشئة، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وإذا كان ذلك يمثل فرصة لتعزيز النمو وخلق فرص عمل جديدة، خصوصاً للشباب، إلا أن ضعف التعليم والفجوة الرقمية بين الدول يشكلان تحدياً كبيراً، ما يستلزم طرح سياسات تعليمية متطورة وبرامج تدريبية متوافقة مع الاقتصاد الرقمي. وإذا كان الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الأمن السياسي والعسكري، فإن تعزيز السياسات التي تحمي المجتمع من النزاعات والصدمات الاقتصادية والبيئية أصبح ضرورة لضمان الاستقرار المستدام.
وعلى الرغم من عمق وصعوبة التحديات، فإن الفرص تظل قائمة، من خلال الرغبة في تبني إصلاحات شاملة، تقوم على إعادة بناء هياكل الدولة الحديثة، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز التكامل، والاستثمار في الإنسان. فالتحول الحقيقي في المنطقة لن يكون نتاج سياسات ظرفية، بل نتيجة مسار طويل من التغيير البنيوي، يعيد صياغة العلاقة ما بين الدولة والمجتمع والاقتصاد، ويؤسس لنموذج تنموي أكثر توازناً واستدامة.
نبض