النسوية الكردية والنضال من أجل "دولة": عفرين نموذجاً

منبر 18-03-2026 | 07:07

النسوية الكردية والنضال من أجل "دولة": عفرين نموذجاً

تُعرف الجينولوجيا بأنها "علم المرأة والحياة"، وتطرح نفسها بديلاً للعلوم الاجتماعية التقليدية التي تصفها بأنها مشبعة بالعقلية الذكورية والسلطوية.
النسوية الكردية والنضال من أجل "دولة": عفرين نموذجاً
انتزعت قوات مدعومة من تركيا السيطرة على عفرين من فصائل كردية في 2018 (أ ف ب)
Smaller Bigger

دراف آلا*

تمثل القضية الكردية في تجلياتها المعاصرة واحدة من أكثر التجارب السياسية والاجتماعية إثارة للجدل والبحث في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما مع التحول الجذري في فلسفة النضال الكردي من السعي التقليدي نحو الدولة القومية المركزية إلى نموذج "الكنفدرالية الديمقراطية". 

في قلب هذا التحول، تبرز النسوية الكردية، ليس كحركة مطلبية فحسب، بل كركيزة أيديولوجية أعادت صياغة مفاهيم السلطة، والمجتمع، والحرية. وتعد مقاطعة عفرين في الشمال السوري نموذجاً تاريخياً وميدانياً لفهم كيفية تطبيق هذه النظريات على أرض الواقع، وما واجهته من تحديات بنيوية وتدخلات عسكرية أدت إلى تحولات دراماتيكية في بنية المجتمع وحقوق المرأة.

أصول نظرية وفلسفية للنسوية الكردية
بدأ النضال الكردي في القرن العشرين متأثراً بحركات التحرر الوطني والمد الماركسي-اللينيني، حيث كان الهدف الأسمى هو إقامة دولة كردية مستقلة تنهي عقوداً من الإنكار والتقسيم الاستعماري. مع ذلك، شهدت أيديولوجيا حركة التحرر الكردستانية، وتحديداً حزب العمال الكردستاني تحت قيادة عبد الله أوجلان، مراجعة نقدية شاملة في أواخر التسعينيات، أدت إلى صياغة "برادايغم" جديد يضع حرية المرأة في مركز الصدارة، معتبراً أن "البلد لا يمكن أن يكون حراً ما لم تكن النساء حرات".تأسست النسوية الكردية المعاصرة على مفهوم "الجينولوجيا" (Jineolojî)، وهي كلمة مشتقة من الجذر الكردي "Jin" الذي يعني امرأة، وهو الجذر نفسه لكلمة "Jiyan" التي تعني حياة. 

تُعرف الجينولوجيا بأنها "علم المرأة والحياة"، وتطرح نفسها بديلاً للعلوم الاجتماعية التقليدية التي تصفها بأنها مشبعة بالعقلية الذكورية والسلطوية. ترفض الجينولوجيا النظرة الوضعية (Positivism) التي تختزل الظواهر الاجتماعية في بيانات كمية، وتدعو بدلاً من ذلك إلى استعادة المعرفة النسوية التاريخية التي طمستها النظم البطريركية والدول المركزية

تعتمد الجينولوجيا على تحليل تاريخي يرى أن المرأة كانت "المستعمرة الأولى" في التاريخ البشري، وأن نشوء الدولة والطبقية والعبودية بدأ من استعباد المرأة داخل الأسرة. وبناءً على ذلك، أي ثورة لا تضع تحرر المرأة في جوهرها هي ثورة محكوم عليها بإعادة إنتاج نظام السلطة نفسه. هذا المنظور أدى إلى تحول النضال الكردي من البحث عن "دولة" إلى البحث عن "مجتمع ديموقراطي" يتجاوز هيراركية الدولة القومية.

 

عناصر تركية بوسط عفرين في مارس 2018 (أ.ف.ب)
عناصر تركية بوسط عفرين في مارس 2018 (أ.ف.ب)

 

الكونفدرالية الديموقراطية: ممارسة السياسة خارج إطار الدولة
يعد مفهوم الكونفدرالية الديمقراطية، الذي نظّر له عبدالله أوجلان بتأثر من أفكار "موراي بوكتشين" حول الإيكولوجيا الاجتماعية والبلدية التحررية، هو الإطار السياسي الذي طُبق في مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا. يقوم هذا النموذج على فكرة أن "الدولة القومية هي كيان بطريركي بطبعه، حيث تقوم بمركزة القوة وفرض التجانس القسري، ما يؤدي بالضرورة إلى تهميش النساء والأقليات الإثنية والدينية".

تُرجم هذا النموذج في عفرين، قبل عام 2018، عبر هيكلية إدارية لا مركزية تبدأ من "الكومينات" في الأحياء والقرى. تميزت هذه الكومينات بنظام "الرئاسة المشتركة"، حيث يتشارك رجل وامرأة في قيادة كل هيئة إدارية، مع وجود مجالس نسائية مستقلة تمتلك حق الفيتو في القرارات المتعلقة بشؤون المرأة. لم يكن هذا النظام مجرد تمثيل رمزي، بل كان يهدف إلى كسر احتكار الرجال للفضاء العام وصنع القرار.

تتجلى العلاقة بين النسوية والنضال من أجل الكيان السياسي في أن الكرد في عفرين لم يسعوا للانفصال لإقامة دولة كردية تقليدية، بل طبقوا ما يُعرف بـ "الاستقلال الديموقراطي". هذا المفهوم يعني بناء مؤسسات مجتمعية قوية (تعليمية، صحية، اقتصادية، وعسكرية) قادرة على إدارة نفسها بنفسها. واعتبرت المرأة في عفرين أن حريتها مرتبطة بحرية الوطن، ولكن ليس كدولة جغرافية فقط، بل كفضاء ثقافي واجتماعي يسمح بالتعددية.

عفرين قبل 2018: البنية الاجتماعية والاقتصادية
اتسمت مقاطعة عفرين بخصوصية جعلت منها "نموذجاً مثالياً" لتطبيق الكونفدرالية الديموقراطية. كانت المقاطعة تتمتع بتجانس إثني كردي كبير (نحو 95%)، واقتصاد زراعي مزدهر يعتمد أساساً على إنتاج الزيتون. هذا الاستقرار الاقتصادي سمح للإدارة الذاتية ببناء بنية تحتية تعليمية واجتماعية قوية، حيث تم افتتاح مدارس تُدرس باللغة الكردية لأول مرة.

تميزت عفرين عن باقي المقاطعات (مثل الجزيرة وكوباني) بأنها كانت الأكثر هدوءاً في السنوات الأولى من الأزمة السورية، حيث انسحبت قوات نظام الأسد منها في عام 2012 من دون مواجهات كبرى، ما أتاح وقتاً كافياً لبناء المؤسسات المدنية. وفي هذا الفضاء، نشطت الحركة النسائية بشكل غير مسبوق؛ فتأسست "اتحاد ستار" (الذي أصبح لاحقاً مؤتمر ستار) كمظلة لكافة التنظيمات النسائية في المقاطعة.

على الصعيد الاقتصادي، شجعت الجينولوجيا على إنشاء تعاونيات نسائية زراعية وحرفية، تهدف إلى تحقيق الاستقلال المادي للمرأة. كانت النساء في عفرين يشاركن بشكل فعال في جني الزيتون وإدارة المعاصر، وهو دور تعزز أيديولوجياً بوصف المرأة "قوة إنتاجية وإبداعية" مرتبطة بالأرض منذ العصر الحجري الحديث، كما يطرح أوجلان في نظريته حول "المجتمع الماترياركي" (الأمومي) القديم في ميزوبوتاميا.

 

وحدات حماية المرأة. (وكالات)
وحدات حماية المرأة. (وكالات)

 

قانون المرأة وتحديات المجتمع التقليدي
أصدرت الإدارة الذاتية في عفرين، بالتوازي مع مقاطعات روجافا الأخرى، "قانون المرأة" الذي اعتُبر ثورة في سياق قوانين الأحوال الشخصية في الشرق الأوسط. هدف هذا القانون إلى تحقيق المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات، وإلغاء كافة أشكال التمييز القانوني التي كانت سائدة في القانون السوري.

تضمن القانون 30 بنداً جوهرياً، من أبرزها حظر تعدد الزوجات، ومنع زواج القاصرات، ومنع الإجبار على الزواج، وإقرار حق المرأة في الميراث بالتساوي مع الرجل، وحقها في طلب الطلاق. كما حظر القانون ممارسات عشائرية متجذرة مثل "زواج الدية" (تزويج فتاة لتسوية نزاع دموي)، و"زواج الشغار" (المقايضة)، و"زواج الحيار" (إجبار الفتاة على ابن عمها). لقد أثارت هذه القوانين ردود فعل متباينة؛ فبينما استقبلتها النساء بحماس كخطوة نحو التحرر، أبدى بعض وجهاء العشائر والمحافظين تحفظات، معتبرين أنها "غير واقعية" أو "تخالف الأعراف". 

مع ذلك، استندت الإدارة في تطبيقها إلى "بيوت المرأة" (Mala Jin)، وهي مراكز اجتماعية تديرها نساء خبيرات، تعمل على التوعية والوساطة والضغط القانوني لتنفيذ هذه التشريعات. تشير الدراسات إلى أن هذه القوانين لم تكن مجرد نصوص، بل أدت إلى تغيير ملموس في الذاتيات النسوية، حيث بدأت النساء يشعرن بقوتهن كفاعلات في المجال العام.

لا يمكن الحديث عن النسوية الكردية في عفرين من دون التطرق إلى وحدات حماية المرأة (YPJ)، التي تأسست في نيسان/أبريل 2013 كجيش نسائي مستقل. في عفرين، كانت هذه الوحدات تجسيداً لمبدأ "الدفاع الذاتي"؛ فالفكر الكردي يرى أن المجتمع الذي لا يمتلك قوة دفاعية خاصة به يظل عرضة للاستعباد.

تميزت الوحدات في عفرين بأنها لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل كانت مدرسة أيديولوجية. المقاتلات في عفرين لم يتدربن فقط على استخدام السلاح، بل خضعن لتدريبات مكثفة في تاريخ المرأة. 

تكمن الأهمية الاستراتيجية والرمزية لوحدات حماية المرأة في مواجهة الذهنية الذكورية، والتحول إلى مصدر للإلهام العالمي بعدما أصبحت المقاتلات رمزاً عالمياً للمقاومة، خاصة بعد معارك كوباني والرقة، ما جذب متطوعات "أمميات" من الغرب للمشاركة في "ثورة المرأة" في عفرين وغيرها. كذلك، تكمن الأهمية في حماية الثقافة والهوية، فدور هذه الوحدات يتجاوز الحرب العسكرية ليشمل حماية اللغة والثقافة والهوية الكردية من الإبادة.

الانكسار الدراماتيكي وتفكيك النموذج
في 20 كانون الثاني/يناير 2018، أعلنت تركيا بالتعاون مع فصائل من الجيش الوطني السوري الموالي لأنقرة عن بدء عملية "غصن الزيتون" للسيطرة على عفرين، بذريعة "مكافحة الإرهاب" وحماية الحدود. استمرت المعارك شهرين، واجه خلالها الأكراد القوات التركية، إلا أن موازين القوى المائلة لصالح الطيران الحربي والتقنيات العسكرية المتطورة أدت إلى سقوط عفرين في 18 آذار/مارس 2018.

كانت نتائج العملية كارثية على كافة المستويات، خصوصاً بالنسبة للمشروع النسوي: نزح أكثر من 300 ألف مدني من سكان عفرين الأصليين، وتوجه معظمهم إلى مخيمات في منطقة الشهباء بريف حلب. وترافق ذلك مع عمليات نهب وسلب واسعة للممتلكات، بما في ذلك بساتين الزيتون التي كانت تمثل عصب الحياة الاقتصادية.

تفكيك البنية التحتية النسوية:
- تدمير المؤسسات: تم إغلاق "بيوت المرأة" ومجالس الإدارة الذاتية، وتحويل بعضها إلى مقار عسكرية للفصائل.
- الهندسة الديموغرافية: تم توطين عائلات من مناطق سورية أخرى في منازل النازحين الكرد، ما أدى لانخفاض نسبة الكرد في عفرين من 95 إلى نحو 35% بحسب بعض التقارير الحقوقية.
- إلغاء القوانين: تم إلغاء العمل بـ "قانون المرأة" واستبداله بمنظومات قانونية وأعراف عسكرية محافظة، ما أعاد شرعنة ممارسات مثل تعدد الزوجات والزواج المبكر.

ومنذ عام 2018، تحولت عفرين من نموذج للتحرر النسوي إلى واحدة من أخطر المناطق بالنسبة للنساء، وفقاً لتقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا ومنظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"ستريت فور جستس". وثقت هذه التقارير نمطاً نظامياً من الانتهاكات التي استهدفت النساء الكرديات بشكل خاص.

تشير التقارير لعامي 2024 و2025 إلى استمرار هذه الممارسات رغم المحاولات التركية لتجميل صورة الإدارة المحلية عبر "الشرطة المدنية" و"الشرطة العسكرية". إن غياب المحاسبة وتفشي الإفلات من العقاب جعل من الانتهاكات ضد النساء أداة للضغط على السكان الأصليين لإجبارهم على الرحيل.

النسوية ضمانة للديموقراطية
تكشف تجربة عفرين أن النضال الكردي من أجل "الكيان السياسي" قد تجاوز المفهوم الضيق للدولة القومية ليصبح نضالاً من أجل "المجتمع الديمقراطي". في هذا السياق، لم تعد حقوق المرأة "ملحقاً" بالمطالب الوطنية، بل أصبحت هي المعيار الذي تُقاس به شرعية أي نظام سياسي.

أثبت نموذج عفرين قبل 2018 أن التغيير الجذري في وضع المرأة ممكن حتى في المجتمعات التي تُوصف بالمحافظة، وذلك عبر تضافر القوة العسكرية والتشريع القانوني (قانون المرأة) والتدريب الفكري (الجينولوجيا). مع ذلك، السقوط الدراماتيكي والانتهاكات التي تلت ذلك تظهر أن المكاسب النسوية هي أول ما يتم استهدافه في النزاعات الجيوسياسية، لأنها تمثل جوهر المقاومة المجتمعية.

إن الصمود الذي تبديه الكرديات النازحات من عفرين في شتاتهن حتى الساعة وإصرارهن على الحفاظ على تنظيماتهن الذاتية، يؤكد أن النسوية الكردية تحولت من "مشروع إداري" إلى "هوية وجودية". هذه الهوية هي التي ألهمت لاحقاً شعار "Jin Jîyan Azadî" (امرأة، حياة، حرية) الذي تردد صداه في إيران والعالم، ليؤكد أن النضال من أجل المرأة هو المفتاح لحل المعضلات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط.

 

*صحافية وناشطة نسوية كردية من سوريا. تعمل مع وسائل إعلام سورية وكردية منذ أكثر من 10 سنوات

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
الخليج العربي 3/19/2026 12:53:00 PM
قرقاش يُعلّق: تاريخ الإمارات الاقتصادي قائم على الانفتاح وحرية انتقال الأموال
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.
المشرق-العربي 3/19/2026 1:50:00 PM
أكد المستشفى المعمداني "وصول شهيدين إثر قصف إسرائيلي لمجموعة من المواطنين في ساحة الشوا في حي التفاح شرق مدينة غزة"...