المقاومة على حِبر الكلمة
المهندس ريبال الياس سميا
في خطاب ألقاه سنة 1984، في مناسبة الذّكرى المئويّة الرّابعة لتأسيس المدرسة المارونيّة في روما، يقول الدكتور شارل مالك: "كان يومٌ، كان فيه لبنان يُستشار بشأن كلّ شيء أساسيّ تقريبًا في الشرق الأوسط، وأحيانًا العالم، وفي بعض الأحيان كان يُؤخذ برأيه. أمّا اليوم، فالحقيقة ليست أنّ لبنان لا يُستشار بشأن أيّ شيء أساسيّ في الشرق الأوسط وفي العالم فحسب، بل إنّه لا يُستشار حتّى بشؤونه المصيريّة، بل غيره هو الذي يُستشار بأمر مصيره".
اليوم، وبعد ثلاثٍ وأربعين سنةً؛ أين لبنان من هذا الخطاب؟!
تصادف هذه السّنة الذّكرى الثالثةَ والأربعين لهذا الخطاب، والتي تصادف أيضاً الدّورة الثالثة والأربعين للمعرض السّنوي للكتاب، الذي تُنظِّمُهُ الحركة الثّقافيّة في كنيسة مار الياس أنطلياس. فِعلُ مقاومةٍ ثقافيٍّ سنويّ، وقد أبت من خلاله الحركة الثّقافيّة هذه السّنة، إلّا أن ترفع الصّوت عاليًا، متحدّيةً أصوات الحرب والصواريخ، التي تُدوّي في لبنان والمنطقة. فبالرّغم من كلّ الظّروف، مضت قُدُمًا نحو نجاحٍ آخر، يُكتَبُ في سجلّاتها الحافلة بالنّجاحات.
هذا الحدث الثّقافيّ السّنويّ، الذي أصبح موعدًا جامعًا، ينتظره عددٌ كبيرٌ من اللبنانيين، بالإضافة إلى الكُتَّابِ، ودُورِ النّشرِ التي تجد فيه مساحةً فكريّة، ومتنفّسًا اقتصاديًّا لعرض أحدث إصداراتها، بالإضافة إلى قَدِيمِهَا. فاللّبنانيّون، من مختلف الفئات والأعمار، يتلاقون في ندواتٍ، وجلسات مناقشةٍ وحوار، هدفها نشر الثّقافة، وبناء المستقبل، في بلدٍ لا تزال تتخبّط فيه القرارات العشوائيّة منذ سنوات.
وهل أفضل وسيلة لمراجعة الماضي وأخذ العِبَر منه، لعيش الحاضر وتدوينه، وتقرير المستقبل وكتابته، أفضل من النقاش والحوار؟!
والمثال البيّن على ذلك، هو ما حصل في السّنوات الأولى للكنيسة. ففي هذه الفترة ظهر تباينٌ كبيرٌ في وجهات النّظر؛ بين رئيس الكنيسة الأوّل على الأرض مار بطرس، وبين رسول الأُمَم مار بولس. وقد احتدم النّقاش، "فَبَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ" (أعمال 15:7)، حُلّت القضيّة بالنّقاش والحوار بين الطّرفين؛ وانبثقت أخوّةٌ مقدّسة، أصبحت ركيزةً أساسيّةً من ركائز الكنيسة الجامعة. وتمّ المضيّ قُدُمًا في البشارة، حيث لا تزال الثّمار تُقطف إلى يومنا هذا.
وقد تابع الدّكتور شارل مالك قائلّا: "الذي لا يعيش في الحاضر، عيشًا كليًّا، على مرارة الحاضر ومأسويّتهِ، ولا يتحمّل مسؤوليّة الإسهام في تقرير المستقبل، سيجد نفسَه يومًا بلا مستقبلٍ ولا حاضرٍ وحتّى لا ماضٍ".
فإذا كان الماضي في وطننا لا يزال نفسه في الحاضر؛ لربّما حان الوقت لتتعلّم الذّاكرة من الذّكرى.
رحم الله الدكتور شارل مالك، وأترابَهُ من الكبار. وهنيئًا للحركة الثّقافيّة - أنطلياس، والدّعوات لها إلى المزيد من النّجاحات المستقبليّة.
أطال الله عمر الكتاب؛ كي تنتعش الذّاكرة ويعيش المستقبل ... ويحيا لبنان.
نبض