ذاكرة الحروب… وصمت الحلفاء
المحامي ربيع حنا طنوس
في التاريخ، لا تسير الحروب على وقع السلاح وحده، بل على إيقاع الأحداث والتجارب. الدول، حين تتخذ القرار، لا تستدعي جيوشها فحسب، بل تستحضر ماضيها، وتستأنف به سرديّتها أمام شعوبها والعالم. هكذا، لم تكن الحرب العالمية الثانية مجرد مواجهةٍ عسكرية كبرى، بل لحظة تأسيسٍ لفكر سياسي جديد. دخلت فيها الولايات المتحدة الأميركية المعركة لا كقوةٍ طارئة، إنما كفاعلٍ يكتب موازين القوة بمداد التاريخ.
لطالما كانت الولايات المتحدة الأميركية الى جانب الحلفاء التقليديين، ففي بحر المانش، حين امتزجت المياه بصخب المعركة ضد قوات هتلر، جاء إنزال النورماندي ليكرّس التحوّل الحاسم في مسار الحرب ويفتح بوابة تحرير أوروبا الغربية، ممهّداً لتغيير وجه القارة السياسية بالكامل. التاريخ هنا لم يكن مجرد سجل، بل أداة فعلية لصنع القرار وتحقيق النصر.
واليوم، عندما دعت واشنطن دول حلف شمال الاطلسي، الى جانب حلفاءٍ آخرين خارج الاطار الأوروبي كاليابان، إلى المشاركة في حماية حركة السفن في مضيق هرمز من التهديدات الإيرانية، لم يأتِ الرد على صورة الأمس. آثرت غالبية الدول الأوروبية التريّث والتحفّظ، فيما اتخذت دول أخرى مقارباتٍ حذرة أو محدودة. هذا المشهد يعكس أن التاريخ وحده لم يعد كافياً لتوحيد المواقف، وأن كل زمن يفرض حساباته الخاصة، وكل حرب تُعرّف وفق مصالح الحاضر أكثر من الماضي. مع الاشارة الى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دأب في خطابات عديدة خلال الآونة الاخيرة، على استحضار محطاتٍ تاريخية مفصلية، مستنداً إليها في دعوته الحلفاء، ساعياً الى شدّ عزيمتهم عبر التذكير بإرثٍ مشترك صاغته الحروب السابقة. كأن الماضي مازال قادراً على توجيه بوصلة القرار في الحاضر.
لم يعد الحلفاء يستجيبون نداء الذاكرة، بل يحسبون تكلفة الحاضر. مع ذلك تواصل الولايات المتحدة الأميركية السير على خطى سياستها الاستراتيجية، ماضيةً في إحكام السيطرة على مختلف الصعد: السياسة، الاقتصاد، الأمن البحري والجوي، مسلحةً بسجلّها التاريخي ورصيدها النفسي من الانتصارات السابقة. فكما كان حضورها الحاسم في بحر المانش مفصلياً لمصلحة الحلفاء، تسعى اليوم الى ضمان النفوذ في مضيق هرمز ومحيطه كي تحافظ على خطوط الملاحة العالمية وموارد الطاقة الحيوية. هذا يثبت ان قدرة القرار الأميركي لا تقاس بمجرد القوة العسكرية، بل بمدى امتلاك أدوات النفوذ الشامل والقدرة على توجيه التحالفات وفق مصالحها.
ومع كل هذا، لم تسدل الولايات المتحدة الستارة أمام حلفائها، فقد تركت لهم الباب موارباً للمناورة، مساحة ضيقة بين المشاركة المباشرة والتحفظ، بين الانخراط الكامل والتردد المدروس، فالقرار الأميركي، كما علمت التجربة، يجمع بين الحزم والمرونة: يحكم بإحكامٍ على كل الصعد، لكنه يترك هامشاً دقيقاً للحلفاء كي يجدوا موضعهم ضمن لعبة النفوذ والمصالح. في السياسة، لا يكفي أن تكون على حق تاريخياً، بل أن تكون قادراًعلى فرض هذا الحق واقعاً.
في المحصلة، يتبين أن استدعاء التاريخ لم يعد كافياً لفرض الاجماع، وأن التحالفات الحديثة لم تعد تُبنى على ذاكرةٍ مشتركة بقدر ما تقوم على تقاطع المصالح وتبدّلها. غير أن هذا التباين لا يحجب حقيقية أكثر رسوخاً: أن مركز الثقل في القرار الدولي مازال يميل حيث تميل الولايات المتحدة، بما تملك من أوراق قوةٍ شاملة وقدرةٍ على إدارة الإيقاع أكثر مما تكتفي بالمشاركة فيه. وهكذا بين تردّد الحلفاء وتباين حساباتهم، يبقى الحسم، في لحظاته المفصلية، رهناً بمن يملك القدرة على جمع عناصر القوة وتوجيهها، وهي قدرة لا تزال واشنطن تتقنها، ولو من خلف مشهدٍ يبدو موزّع الأدوار ومفتوح الاحتمالات.
نبض