قناع الإعلام
فرانسيسكا موسى
الصحافة هي المسوّدة الأولى للتاريخ!
لكن في زمن الحروب، قد تتحول هذه "المسوّدة" أحيانًا إلى ساحة صراع أخرى، لا تُكتب فيها الوقائع فقط، بل تُعاد صياغتها وفق روايات متناقضة وخطابات مشحونة.
يُعدّ الإعلام حاجة إنسانية أساسية نشأت مع حاجة الإنسان الدائمة إلى فهم العالم من حوله. فالأفراد يعتمدون على وسائل الإعلام للحصول على المعلومات التي تساعدهم على تكوين آرائهم واتخاذ مواقفهم تجاه القضايا السياسية والاجتماعية. ومن هنا اكتسب الإعلام مكانته بوصفه ما يُعرف تقليديًا بـ"السلطة الرابعة"، أي السلطة التي تراقب وتكشف وتحاسب.
لكنّ هذه المكانة تحمل في طياتها مفارقة واضحة، خصوصًا في دول مثل لبنان، حيث يتشابك الإعلام مع البنية السياسية والطائفية. فبدل أن يعكس التعدد الإعلامي تنوعًا مهنيًا في الآراء، يتحول أحيانًا إلى تعدد في الروايات السياسية المتنافسة التي تسعى إلى كسب جمهورها الخاص وترسيخ سرديتها للأحداث. من هنا، لا يعود الخبر مجرد نقلٍ للوقائع، بل يصبح جزءًا من عملية إنتاج المعنى. فاللغة المستخدمة في التغطيات، وطريقة اختيار الضيوف والمصادر، وحتى ترتيب الأخبار في النشرات، كلها عناصر تسهم في تأطير الحدث وتوجيه فهم الجمهور له. وهنا يظهر بوضوح ما تشير إليه دراسات الإعلام من أن التغطية الصحفية لا تعكس الواقع فقط، بل تسهم أيضًا في تشكيله. قد يتحوّل الإعلام في بعض الحالات إلى أداة لتعميق الانقسامات الاجتماعية ونشر الخطاب التحريضي، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني أصلًا من انقسامات سياسية أو طائفية؛ ومن المؤسف القول إن مجتمعنا يُعدّ أحد هذه المجتمعات. فبدل أن يكون الإعلام فضاءً للنقاش العام وتعزيز قيم الحرية والعدالة، يصبح الإعلام منبرًا لإعادة إنتاج الصراعات داخل المجتمع. تعاني وسائل الإعلام اللبنانية من انحياز واضح لأجندات سياسية وطائفية، ما يحوّلها أحيانًا من وسيلة لنقل الحقائق إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية والسياسية. فالكثير من القنوات والمواقع تركز على خدمة مصالح أطراف محددة، متجاهلة المعايير المهنية والأخلاقية، ما يؤدي إلى تضليل الجمهور وإضعاف دور الإعلام كمساحة للنقاش العام وبناء الوعي المجتمعي. لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالقوة نفسها التي قد تُستخدم للتحريض يمكن أن تُوظَّف أيضًا لتعزيز ثقافة الحوار والسلام، إذ يمتلك الإعلام القدرة على بناء مساحات مشتركة للفهم، وعلى تقديم روايات تساعد المجتمعات على تجاوز الأزمات بدل تكريسها.
في زمن الحرب إذن، لا تكون المعركة فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الإعلامي. وهنا يصبح السؤال المطروح على الإعلام اللبناني اليوم أكثر إلحاحًا: هل يكتفي بترديد روايات الصراع أم يسعى إلى أداء دوره الحقيقي كسلطة رقابية ومساحة للحقيقة في مجتمع يحتاج إلى التوازن أكثر من أي وقت مضى؟
نبض