لبنان بين مشروعين: من الحرب الأهليّة إلى حروب "الإسناد"
رامي الفغالي
المقدّمة
لبنان لا يُهزم دفعة واحدة، بل يُستنزف. لا يسقط بقرار، بل بسلسلة تنازلات. منذ الحرب الأهلية اللبنانية وحتى اليوم، لم يُحسم الصراع على هوية الدولة، بل جرى الالتفاف عليه، مرة باسم التسوية، ومرة باسم المقاومة، ومرة باسم الشراكة. وبين خطابين يبدوان متناقضي "يا أشرف الناس" و "يا شعب لبنان العظيم" تكرّست حقيقة واحدة: غياب الدولة.
من الحرب الأهلية إلى شرعنة السلاح
بعد نهاية الحرب، كان يفترض أن يكون هناك مبدأ لا يُمس: دولة واحدة، جيش واحد، سلاح واحد. لكن ما حدث كان العكس تماماً. تم تثبيت استثناء تحت عنوان المقاومة، تمثّل في بقاء سلاح حزب الله خارج إطار الدولة.
هذا الاستثناء لم يبقَ ظرفياً، بل تحوّل إلى قاعدة حاكمة. ومع الوقت، لم تعد الدولة هي من يحدّد قواعد اللعبة، بل أصبحت مضطرة للتكيّف معها. وهنا بدأ الخلل البنيوي: عندما تصبح الشرعية مزدوجة، تسقط الدولة حتماً.
اتفاق مار مخايل: لحظة التحوّل الحاسم
في عام 2006، لم يكن اتفاق مار مخايل مجرد تفاهم سياسي، بل كان إعادة تأسيس للنظام. تحالف بين من يمتلك السلاح ومن يسعى إلى السلطة، فكانت النتيجة معادلة غير مسبوقة: شرعية سياسية تمنح السلاح غطاءً، وسلاح يضمن الوصول إلى السلطة.
منذ تلك اللحظة، لم يعد ميزان القوى داخل الدولة، بل خارجها. ولم يعد القرار محكوماً بالمؤسسات، بل بالتوازنات المفروضة عليها.
وصول عون إلى الرئاسة: سلطة بلا سيادة
مع انتخاب ميشال عون رئيساً عام 2016، بدا وكأن التسوية اكتملت. لكن ما اكتمل فعلياً هو تثبيت واقع جديد: سلطة سياسية من دون سيادة فعلية.
الدولة لم تستعد قرارها. المؤسسات لم تستعد دورها. بل تعمّق العجز، وتكرّس موقع الدولة كواجهة، فيما القرار الحقيقي يُتخذ خارجها. وهنا سقطت آخر أوهام "الشعب العظيم" الذي يفترض أن تحكمه دولة، لا توازنات.
"طريق القدس": نقل لبنان إلى ساحة إقليمية
عندما أعلن حسن نصر الله أن "طريق القدس تمر من بيروت إلى عرمون"، لم يكن ذلك مجرد خطاب تعبوي، بل إعلان واضح عن وظيفة جديدة للبنان.
لم يعد لبنان دولة بحدودها ومصالحها، بل أصبح جزءاً من محور إقليمي، تُربط قراراته بمسارات تتجاوز إرادته الوطنية. وهنا تحوّل البلد من كيان مستقل إلى ساحة مفتوحة.
من غزة إلى إيران: لبنان في قلب صراعات الآخرين
في سياق ما سُمّي بحروب الإسناد، انخرط لبنان في مواجهات مرتبطة بغزة، ثم ضمن إطار أوسع يتصل بإيران. لكن المفارقة الأساسية كانت في غياب القرار الوطني.
الدولة لم تقرر، والشعب لم يُستشر، ومع ذلك تحمّل لبنان النتائج: توتر أمني، عزلة سياسية، وانهيار اقتصادي متسارع. هكذا يصبح الوطن رهينة صراعات لا يملك قرارها.
دولة داخل الدولة: تفكيك الكيان من الداخل
الأخطر من كل ذلك لم يكن فقط السلاح، بل البنية التي نشأت حوله. مؤسسات اجتماعية، تنظيمات تربوية، شبكات خدمات، ونظام مالي موازٍ مثل مؤسسة القرض الحسن، كل ذلك أسّس لكيان يعمل داخل الدولة وخارجها في آن واحد.
هذه الازدواجية لم تُضعف الدولة فقط، بل أفرغتها من مضمونها، وجعلت الانتماء إليها خياراً، لا مرجعية نهائية.
بين "أشرف الناس" و"شعب لبنان العظيم"
"يا أشرف الناس" ليست مجرد عبارة، بل مشروع تعبئة وتنظيم وولاء.
و"يا شعب لبنان العظيم" ليست مجرد خطاب، بل فكرة دولة لم تتحقق.
لكن في ميزان الواقع، انتصر المشروع الذي امتلك القوة والتنظيم، فيما بقي المشروع الآخر بلا أدوات تنفيذ. وهكذا، غلب منطق الجمهور على منطق الدولة، وغلبت القوة على الشرعية.
الخلاصة
لبنان اليوم هو نتيجة مسار واضح: شرعنة السلاح، تسييس الدولة، وربط القرار الوطني بمحاور إقليمية. هذا المسار لم يُنتج توازناً، بل أنتج انهيارًاً
لا يمكن بناء دولة في ظل سلاح خارجها، ولا يمكن استعادة السيادة في ظل قرار لا يُتخذ داخل مؤسساتها. المسألة لم تعد خلافاً سياسياً، بل مسألة وجود دولة من عدمه.
لبنان أمام خيار واحد: إما دولة كاملة السيادة، أو استمرار الانزلاق نحو واقع لا يشبه الدول. وما لم يُحسم هذا الخيار، سيبقى كل خطاب، مهما علا، عاجزاً عن إنقاذ وطن يُدار من خارج حدوده.
نبض