خيارات متعددة لوطن واحد

منبر 19-03-2026 | 14:11

خيارات متعددة لوطن واحد

في ظل الظروف الراهنة، نلاحظ أن ردود فعل الناس لا تسير في اتجاه الفوضى المطلقة، بل تميل إلى إعادة تنظيم ذاتها عبر مبادئ غير مكتوبة: التضامن، تقاسم الموارد، حماية بعضهم البعض، وضبط السلوك العام
خيارات متعددة لوطن واحد
خيمة نزوح في وسط بيروت (أ ف ب).
Smaller Bigger

المحامي شكري يوسف حداد 

 



إذا كانت الحروب تُختزل غالباً في قرارات الدول وموازين القوى، فإن التجربة اللبنانية تُظهر وجهاً آخر أكثر عمقًا: إن المجتمع نفسه يمكن أن يتحوّل إلى فاعل معياري، يُنتج قواعده وسلوكياته عندما تضعف الأطر الرسمية. فبعد الحرب الأهلية، لم يخرج اللبنانيون فقط بذاكرة جماعية مثقلة، بل أيضاً بشكلٍ من أشكال الوعي القانوني غير المكتوب، يتجلّى اليوم في أوقات الأزمات.

 

ففي ظل الظروف الراهنة، نلاحظ أن ردود فعل الناس لا تسير في اتجاه الفوضى المطلقة، بل تميل إلى إعادة تنظيم ذاتها عبر مبادئ غير مكتوبة: التضامن، تقاسم الموارد، حماية بعضهم البعض، وضبط السلوك العام. هذه الممارسات لا يمكن قراءتها فقط كقيم أخلاقية، بل يمكن فهمها أيضاً كنوع من القواعد العرفية، التي تكتسب مشروعيتها من تكرارها وقبولها الجماعي، على نحوٍ يُذكّر بأنّ الشعب له الكلمة الأخيرة.

 

ومن هنا أيضاً يمكن الاستنتاج أنّ أيّ تلويح بالحرب الأهلية، ورفع هذا الاحتمال في الخطاب السياسي والإعلامي، ليس إلا حديثاً متهافتاً كخياطةٍ بإبرةٍ بلا خيط، لأن المزاج الشعبي الأوسع يبدو في مكانٍ آخر. ذلك أنّ اللبنانيين جرّبوا الحرب الأهلية بما يكفي كي يعرفوا أنّها ليست مجرد عنوان سياسي، بل انهيار شامل يترك أثره في البيوت والذاكرة والمصائر.

 

لذلك، كلما ارتفعت نبرة التحريض، برز في المقابل توقٌ شعبي واضح إلى لغة السلام، لا من باب المثالية، بل من باب الخبرة المريرة. فالشعب الذي يعرف كلفة الحرب الداخلية، يعرف أيضاً لماذا يتمسّك بالاستقرار، ولماذا يفضّل، كلما أمكن، أن يُغلّب التعايش على الانقسام.

 

وإنّ هذا السلوك لا يُفرض من سلطة مركزية، بل ينبع من إدراكٍ جماعي لضرورة الحفاظ على الوحدة والإنسانية والتكاتف والنظام أياً كان الانتماء. وهنا تلتقي التجربة الاجتماعية مع مفاهيم قانونية راسخة، مثل فكرة أن العرف يمكن أن يكون مصدراً للقانون، أو أن القاعدة لا تكتسب قوتها فقط من النص، بل من الامتثال لها. وقد شهدت تجارب دولية أخرى في أوقات النزاعات أو الكوارث أن المجتمعات، حين تواجه خطر الانهيار، تميل إلى إنتاج أشكال ذاتية من التنظيم، تُشبه في بنيتها التنظيم الاجتماعي التلقائي أو الأعراف الاجتماعية.

 

في هذا الإطار، لا يكون الشعب مجرد متلقٍ لقرارات الحرب أو السلم، بل عنصر حاسم في ترجيح أحدهما. فاستمرار النزاعات أو انحسارها لا يتوقف فقط على الإرادة السياسية، بل أيضاً على استعداد المجتمع للانخراط في العنف أو رفضه، ولإعادة إنتاج منطق الحياة المشتركة. ومن هنا، يمكن القول إن ما نشهده اليوم في لبنان ليس فقط صموداً اجتماعياً، بل تعبير عن قدرة جماعية على إنتاج نوع من "السلام اليومي"، الذي يتشكّل من ممارسات بسيطة لكنها متكررة، وتُسهم تدريجياً في كبح منطق التصعيد.

 

وربما هنا تكمن الخلاصة الأوضح: الشعب اللبناني، بأعرافه اليومية وقيمه المتجذّرة وتجربته الثقيلة، يميل في اتجاه، فيما يميل الخطاب التحريضي في اتجاه آخر. فبينما تدفع بعض الأصوات نحو التهويل واستحضار شبح الحرب الأهلية، تكشف سلوكيات الناس عن رغبة معاكسة تماماً: حماية السلم الأهلي، التمسّك بالعيش معاً، وعدم السماح للانقسام بأن يتحوّل إلى قدر. 

 

لذلك، فإنّ الحديث عن حرب أهلية لا ينفي حضور هذه القيم، بل يؤكد أنها لا تزال السدّ الأخير في وجه الانزلاق. ولأنّ ما يجمع اللبنانيين، في لحظات الخطر، أعمق من كل انقسام عابر، يبقى لبنان 10452 أرضاً وشعباً، وتبقى فكرة العيش معاً أقوى من كل خطاب تحريضي يدفع نحو التفتّت.

 

ضمن هذا السياق أعتقد أن المجتمع اللبناني أثبت، في لحظات الأزمات، أنّه ليس مجرّد موضوع للسياسة أو ساحة للتحريض، بل هو أحد مصادر الحياة والقانون والنظام بصورة غير مباشرة، وشريك فعلي في رسم الحدود بين الفوضى والضوابط، وبين الحرب والسلام. غير أنّ هذه القدرة المجتمعية، على أهميتها، لا تُغني عن ضرورة قيام إرادة وطنية واحدة، تعبّر عنها الدولة والسلطة الشرعية، بوصفهما الجهة التي تحدّد وجه لبنان المتمسّك بهويته الأصيلة: موحّد الاتجاه، موحّد المصير، موحّد السلطة، وموحّد الخيارات الوطنية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
اسرائيليات 3/17/2026 6:57:00 PM
بعد فيديو عن تعرّضها لاعتداء جنسي من قبل والديها… العثور على ابنة وزيرة الاستيطان الإسرائيلية جثة في منزلها
اسرائيليات 3/18/2026 3:15:00 PM
كان نجل سموتريتش قد أصيب إلى جانب عدد من الجنود