لماذا يختلف المسلمون على الهلال كل عام؟

منبر 19-03-2026 | 09:32

لماذا يختلف المسلمون على الهلال كل عام؟

يحتل موضوع إثبات هلال الشهر القمري موقعاً متميزاً في الدرس الفقهي. ذلك أنه لا يرتبط بتحديد موعد عبادة الصيام أو العيد فحسب، وإنما يثير أسئلةً معرفية حول مصادر التشريع ودور العقل في الاستنباط. 
لماذا يختلف المسلمون على الهلال كل عام؟
هلا رمضان" (تصميم "النهار").
Smaller Bigger

أحمد شهاب - الكويت

 

 

يحتل موضوع إثبات هلال الشهر القمري موقعاً متميزاً في الدرس الفقهي. ذلك أنه لا يرتبط بتحديد موعد عبادة الصيام أو العيد فحسب، وإنما يثير أسئلةً معرفية حول مصادر التشريع ودور العقل في الاستنباط. فهل العقل أداة مستقلة لإدراك الأحكام، أم هو وسيلة لفهم النص وتنزيله على الواقع؟ وكيف يتعامل الفقيه مع المعطيات العلمية المستجدة كالحساب الفلكي والرؤية بالآلات؟

ما يدفعني للتطرق إلى هذا الموضوع هو المشهد الذي اعتاده المسلمون في كل عام من أخبارٍ متضاربة عن ثبوت الهلال، والجدل على وسائل التواصل بين مُطالبٍ بتحري الرؤية بشكلٍ أكثر دقة، وآخر يدعو الى اعتماد الحساب الفلكي، ولا يخلو النقاش عادةً من اتهام للسنّة بأنهم يتساهلون في مسألة الرؤية أو اتهام الشيعة بأنهم يتعمدون الإختلاف في الرؤية. 

لذا، من الضرورة بمكان مناقشة المباني الفقهية بتجردٍ بدلاً من كيل الاتهامات جزافاً، ليس لأنه لا توجد أخطاء في إثبات الهلال، وانما للتخفيف من حدّة النزاع، وتفهّم وجهة نظر الآخرين بعيداً من الاتهام، إذ أن جذور هذا الجدل السنوي يعود إلى طبيعة النص الشرعي نفسه. فالشارع علّق الحكم على الرؤية البصرية، وهي ظاهرة طبيعية خاضعة لاختلاف الأفق والظروف الجوية وقوة الإبصار.

من المقرر في علم الأصول أن للأحكام الشرعية مصالح واقعيةً لا يمكن العقل البشري الإحاطة بها. وهذا لا يعني تعطيل العقل، وإنما يعني تحديد وظيفته بدقة. فالعقل النظري هو الذي يدرك وجود الخالق وضرورة اتباع أمره، من خلال فهم الأوامر الشرعية التي مصدرها النص وتفسيرها.

في هذا الإطار، تحمل الآية الكريمة ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ دلالةً لغوية واضحة، فالشهود يتمثلون هنا بالمعاينة البصرية الحسية. وتؤيد الروايات الواردة عن أهل البيت - عند الإمامية - هذا المعنى. ففي موثقة إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام: "لا تصمّه إلا أن تراه". وفي توقيع الحسن العسكري عليه السلام: "لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته". وتفيد هذه النصوص أن المدار في ثبوت الهلال هو الرؤية البصرية المتعارفة.

ومن أبرز القواعد الإمامية في هذا الباب قول الصادق عليه السلام: "ليس رؤية الهلال أن يقوم عشرة فيقول واحد: قد رأيته، وينظر تسعة فلا يرونه، لكن إذا رآه واحد رآه مئة، وإذا رآه مئة رآه ألف". وتحمل هذه القاعدة دلالةً لافتة، فالهلال حين يصبح قابلاً للرؤية، فإنه يظهر لكثيرين وليس لواحدٍ فقط، فإذا ادعى فرد رؤيته بين جماعةٍ متساوية الظروف، فما رآه قد يكون وهماً.

وتطبّق هذه القاعدة في مسألة شيوع الرؤية، فحين يخرج جمع كبير للاستهلال، لا تكفي شهادة فردٍ أو فردين وإنما يشترط أن تراه غالبية المستهلين، وهذا ما ذهب إليه السيد السيستاني الذي اعتبر الرؤية الفردية مُحتملةً للخطأ، بينما المتواترة تنتج اطمئناناً بدخول الشهر. 

وفي المقابل، يستند المذهب الشافعي والحنبلي إلى الحديث المروي عن ابن عمر: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه". وهذا الحديث دلّ عندهم على قبول شهادة العدل الواحد في دخول رمضان. أما الحنفية والمالكية فيشترطون شهادة رجلين، قياساً بسائر الشهادات، استناداً إلى الآية الكريمة ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾، وقد نقل إبن قدامة في المغني إجماع العلماء على أن شهادة رجلين عدلين تقبل في الهلال، واختلفوا في قبول الواحد.

أما النقطة الخلافية الأخرى فتتمثل في إثبات دخول الشهر بوسائلٍ غير الرؤية. فالحساب الفلكي يقوم على تحديد خروج القمر من المحاق وتقدير إمكان رؤيته. بالنسبة الى الفقه الشيعي فهو يعتمد على ما ورد عن الصادق عليه السلام: "لا تصمه إلا أن تراه"، ما يؤكد أن الرؤية الفعلية هي الأصل. أما الحساب الفلكي فيُستخدم أداةً للتقدير والتنظيم، من دون أن يغني عن الشهود الحسي في تحديد بداية رمضان والأعياد. 

ويتفق جمهور المسلمين على رفض الاعتماد على الحساب، مستندين إلى حديث "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب". وقد علق الحافظ إبن حجر على هذا الحديث في فتح الباري قائلاً: "المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم".

وثمة اتجاه آخر مثله الشيخ تقي الدين السبكي، وهو من علماء الشافعية الكبار الذي عدّ الحساب الفلكي قطعياً والشهادة والخبر ظنياً، والقطعي مقدم على الظني. أما السيد محمد حسين فضل الله فتبنى اجتهاداً فقهياً يُجيز الأخذ بالحساب الفلكي عندما تكون الحسابات العلمية دقيقةً وتكشف إمكان رؤية الهلال. 

هذا التنوع الفقهي يُعد ثراءً يعكس سعة الشريعة وقدرتها على التكيف مع مختلف الأحوال والظروف، والمهم في التطبيق العملي أن يصوم المسلمون ويفطروا وهم يتبعون منهجاً يعتمد على الدليل والحجة، بما يضمن تحقيق مقاصد الصوم وإدراك حكمة الشريعة في تنوع آراء الفقهاء.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
ايران 3/18/2026 8:20:00 PM
عراقجي: على المجتمع الدولي عدم تجاهل "سياسات إسرائيل" والتحذير من تداعياتها
اسرائيليات 3/17/2026 6:57:00 PM
بعد فيديو عن تعرّضها لاعتداء جنسي من قبل والديها… العثور على ابنة وزيرة الاستيطان الإسرائيلية جثة في منزلها