في نقد "المقاومة": حين يغتال الشعار جوهر الحق الإنساني
أنهل قزحيا
تقوم فلسفة المقاومة في جوهرها على مبدأ "استعادة الحق"، وهي بهذا المعنى فعل قانوني وأخلاقي يهدف حصراً إلى تمكين الشعب من ممارسة سيادته فوق أرضه. غير أن هذا الحق الإنساني ليس "شيكاً على بياض" يمنح أي فئة القدرة على احتكار القوة إلى الأبد، أو ممارسة دور الدولة تحت مسمى الدفاع عنها. إن المقاومة الحقيقية هي التي تمتلك شجاعة "الانقضاء" والذوبان في كنف المؤسسات الشرعية فور تحقيق أهدافها السيادية. أما المقاومة التي ترفض التحول إلى منطق الدولة، وتتمسك بسلاحها كامتيازٍ فئوي دائم، فهي تخرج من سياق التحرر لتدخل في سياق الهيمنة.
تاريخياً، لم تكن المقاومة في لبنان يوماً حكراً على أيديولوجيا واحدة أو طائفة بعينها. ولدت المقاومة اللبنانية من رحم "التعددية" ومن إرادةٍ صلبة في الحفاظ على كيان لبنان الحر. فمنذ عقود، كانت المجتمعات المسيحية في جبال لبنان وتخومه تمارس أرقى أنواع المقاومة السيادية ضد كل من حاول المساس بهوية لبنان أو إلحاقه بمحاورٍ إقليمية غريبة عن نسيجه. كانت تلك المقاومة تنطلق من مبدأ واحدٍ وواضح: "الدولة هي المبتدأ والمنتهى". هذه الروح الوطنية هي ذاتها التي صاغت لاحقاً جبهاتٍ وطنية عابرة للطوائف، بحيث كان المقاوم يقاتل من أجل أن تعود بيروت سيدة قرارها، لا لكي تتحول ساحة بريدٍ لخدمة عواصم أخرى.
وهنا يبرز الخلل الجوهري في تعريف المقاومة اليوم، فالمقاومة الحقيقية لا يمكن أن تكون "مستوردةً" أو "مرتهنة". إن التنظيم الذي يقرّ علانية أن تمويله وسلاحه وقراره الاستراتيجي يرتبط بمشروعٍ إقليميّ عابرٍ للحدود، يسقط حكماً في اختبار الوطنية التحررية. المقاومة الحقّة هي التي يكون قرار الحرب والسلم فيها ملكاً للشعب من خلال مؤسساته الشرعية وجيشه الوطني. أما عسكرة المجتمع وخلق جيوشٍ موازية تمتلك أجندات لا تخضع للمساءلة الوطنية، فهي ليست مقاومة بل هي تقويض مباشر لمفهوم الدولة، واغتيال لفكرة السيادة من الداخل.
إن المقاومة كحقٍ إنساني لا تستقيم مع ترهيب الداخل أو تعطيل القضاء أو فرض "فيتو" بقوة السلاح على المسار الديموقراطي. فلا يمكن من يدّعي حماية حدود الوطن أن يكون هو السبب في هدم حدوده القانونية والسياسية والاقتصادية. إن "المقاومة" التي تضع نفسها فوق الدستور، وتعتبر سلاحها "مقدساً" لدرجةٍ تمنع محاسبتها، هي في الواقع تمارس فعلاً نقيضاً للمقاومة. هي تعطل "حق اللبناني في الدولة"، وتصادر حق المواطن في أن يكون محمياً بقانون واحد وجيش واحد، لا بميليشيات تتعدد ولاءاتها وتضخم أدواتها على حساب لقمة عيش الناس وأمنهم الحقيقي.
لقد آن الأوان لإنهاء زمن "الاستثمار في الشعارات". المقاومة الحقيقية والوحيدة التي يحتاجها لبنان اليوم هي المقاومة السيادية التي تستعيد قرار الدولة من الخاطفين. المقاومة التي ترفض التبعية، وتطالب بحصر السلاح في يد المؤسسات العسكرية الشرعية، وتؤمن بأن كرامة اللبناني لا تتحقق بصواريخٍ عابرة للحدود، بل بدولةٍ قوية قادرة على حماية جميع أبنائها تحت سقف القانون. إن أي فعلٍ يدعي "المقاومة" وهو يقف عائقاً أمام بناء الدولة، ليس سوى وهمٍ كبير، أو في أسوأ الأحوال، مشروع هيمنة يرتدي قناعاً لم يعد يخدع أحداً.
نبض