من خيام الحلم إلى خيام النزوح… ساحة الشهداء تختصر مأساة وطن
محمدعبدالله - كاتب سياسي
شاء القدر أن يشهد اللبنانيون في حياتهم صورتين متناقضتين للخيام في ساحة الشهداء في قلب بيروت. صورتان يفصل بينهما أكثر من عشرين عاماً، لكنهما تختصران مساراً كاملاً من الأمل المجهض والانحدار الذي عاشه لبنان.
الصورة الأولى كانت خيام شعبٍ انتفض مطالباً بالسيادة والتغيير في 14 آذار 2005، خيام نُصبت في الساحات تعبيراً عن إرادة اللبنانيين الخروج من منظومةٍ سياسية فاسدة ومن وصاياتٍ خارجية كبّلت الدولة وأضعفت مؤسساتها. يومها كانت الساحة مساحةً للأمل، ومسرحاً لحلمٍ جماعي بدولةٍ طبيعية، دولة القانون والمؤسسات، لا دولة السلاح والولاءات العابرة للحدود.
لكن الزمن دار دورته، وعادت الخيام إلى الساحة نفسها بعد أكثر من عقدين، لا كرمز احتجاج سياسيٍّ أو حلم بالتغيير، بل كملاذٍ من القصف والدمار. خيام الخوف هذه المرة لا خيام الأمل. والمفارقة المؤلمة أن من وقف يوماً في مواجهة تلك الانتفاضة الشعبية وجد نفسه لاحقاً مضطراً للاحتماء بالخيام ذاتها، ولكن هرباً من حربٍ استُجلبت إلى لبنان نتيجة سياسات ربطت مصيره بصراعاتٍ إقليمية تتجاوز قدرته وحدوده.
لم يكن لبنان يوماً بحاجةٍ إلى حروب الآخرين على أرضه. لكن حين يصبح القرار الوطني مرتهناً لمحاور خارجية، يتحول البلد تلقائياً إلى ساحة صراعٍ بالوكالة، وهذا ما حدث تماماً. فبدلاً من أن يكون لبنان دولةً مستقلة القرار، أصبح جزءاً من مشروعٍ إقليميٍّ يدير معاركه فوق أرضه ويدفع ثمنها شعبه.
لو كانت الأولوية للبنان، لكان إنجاز التحرير عام 2000 تحول إلى محطة تأسيسٍ لدولةٍ قوية تحتكر السلاح وتبني مؤسساتها. لكن ما حدث هو العكس تماماً، فبدلاً من تثبيت الدولة، تعزز منطق الدويلة، وتكرّس سلاح خارج إطار الشرعية، وتوسعت الأدوار الإقليمية على حساب المصلحة الوطنية.
ولو كانت الأولوية للبنان فعلاً، لما تورّط البلد في الحرب السورية دفاعاً عن نظامٍ دمّر شعبه وشرّد الملايين. ولما وجد اللبنانيون أنفسهم لاحقاً في قلب صراعاتٍ تمتد من اليمن إلى العراق، ومن الخليج إلى إيران، وهي صراعات لا علاقة للبنان بها ولا مصلحة له فيها.
ولو كانت الأولوية للبنان أيضاً، لما شهدت ساحة الشهداء نفسها اعتداءاتٍ على متظاهرين طالبوا بالإصلاح والتغيير، ولما جرى قمع أي محاولةٍ لكسر منظومة الفساد التي حكمت البلاد لعقود.
بل إن المفارقة الأكبر أن السلاح الذي قيل إنه لحماية لبنان، استخدم في الداخل لتكريس معادلةٍ سياسية تحمي منظومة الفساد نفسها. منظومة أوصلت الدولة إلى الإفلاس، وسمحت بانهيار الاقتصاد، وضياع جنى أعمار اللبنانيين في المصارف، بينما بقيت الطبقة السياسية بمنأى عن أي مساءلةٍ حقيقية.
ولو التزمنا خطاب الشهيد جبران تويني وقسمه الشهير: "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين إلى أبد الآبدين دفاعاً عن لبنان العظيم"، لما كان اللبنانيون
اليوم يدفعون ثمن الخيارات الوهمية والمغامرات غير المحسوبة :
مدن مدمرة، قرى مهددة، اقتصاد منهار، وشعب يتوزع بين النزوح والهجرة واليأس.
إن المشهد الذي نراه اليوم على طرق لبنان ليس قدراً حتمياً، بل نتيجة سياساتٍ واضحة ومسارٍ سياسي كان يمكن تجنبه لو كان القرار وطنياً خالصاً.
وبين خيام الأمس وخيام اليوم تختصر حكاية لبنان:
خيام نُصبت يوماً دفاعاً عن حلم الدولة، وخيام تُنصب اليوم هرباً من نتائج غياب تلك الدولة.
أما السؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام اللبنانيين فهو:
هل سيبقى لبنان ساحةً لخيام النزوح والحروب، أم سيعود يوماً ساحةً لخيام الحرية وبناء الدولة؟
فالتاريخ علّمنا أن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تموت.
وأن الدول قد تتعثر، لكنها لا تنهض إلا عندما يصبح قرارها وطنياً قبل أي شيء آخر.
نبض