مفاجأة الحرب: عندما يصطدم القرار الأميركي بواقع الميدان
أكرم بزي
في الحروب الكبرى غالباً ما تكون اللحظة الأخطر هي تلك التي يكتشف فيها صانع القرار أن تقديراته الأولية لم تكن دقيقة. وهذا ما توحيه التقارير الصادرة عن صحيفة The Wall Street Journal والتي كشفت أن الإدارة الأميركية كانت على درايةٍ مسبقة بالمخاطر الاستراتيجية لأي مواجهةٍ مع إيران، وخصوصاً احتمال إقدام طهران على خطوةٍ بحجم تهديد الملاحة في Strait of Hormuz، الشريان الأكثر حساسية في تجارة الطاقة العالمية.
قبل اندلاع الحرب، حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن أي ضربةٍ عسكرية قد تدفع إيران إلى الردّ عبر توسيع مسرح العمليات، وربما اللجوء إلى أوراق ضغطٍ استراتيجية. لكن القرار السياسي مضى قدماً، على قاعدة رهانٍ واضح: أن طهران ستفضّل التراجع أو القبول بالأمر الواقع قبل أن تذهب إلى مواجهةٍ مفتوحة.
غير أن ما جرى في الأيام التالية كشف أن الحسابات الأميركية لم تكن مطابقة لما يدور في الميدان. فالرد الإيراني لم يأتِ محدوداً أو رمزياً، بل حمل طابعاً تصعيدياً شمل إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه قواعد ومصالح أميركية في أكثر من ساحةٍ إقليمية. وهنا بدأت المفاجأة التي تحدثت عنها الصحيفة: اتساع نطاق الرد، وما تبعه من ارتباك داخل دوائر القرار في واشنطن.
المعلومات المتداولة داخل الإدارة الأميركية تشير إلى قلقٍ متزايد في وزارة الدفاع من احتمال تحوّل السفن الحربية الأميركية التي ترافق ناقلات النفط في المضيق إلى أهدافٍ مباشرة، خصوصاً إذا قررت الولايات المتحدة ضرب القدرات البحرية الإيرانية أو منظومات الدفاع الساحلي. وفي مثل هذا السيناريو، لا تعود المسألة مجرد عمليةٍ عسكرية محدودة، بل تصبح مواجهةً مفتوحة على احتمالاتٍ إقليمية واسعة.
في موازاة ذلك، تكشف التقارير الإعلامية الغربية عن إرباكٍ داخل الإدارة الأميركية نفسها. فبعض المسؤولين المعنيين بملفات الشرق الأوسط لم يطّلع على تفاصيل خطط الحرب إلا بعد بدء القصف، بل إن بعضهم علم بالتطورات عبر وسائل الإعلام. وهذه إشارة إلى أن دائرة القرار كانت ضيّقةً للغاية، ما يزيد من احتمالات سوء التقدير في إدارة صراعٍ بهذا الحجم.
المعضلة التي تواجه واشنطن اليوم تبدو واضحة. فالرئيس الأميركي يقف أمام خيارين كلاهما صعب: إما وقف العمليات العسكرية والإعلان أن الأهداف تحققت، وهو ما يعني عملياً الإقرار ببقاء النظام الإيراني من دون تغيير، وإما الاستمرار في الضربات العسكرية مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسيع الحرب وارتفاع التكلفة البشرية والسياسية.
لكن التحدي لا يقتصر على البعد السياسي. فالتقارير المتلاحقة من وسائل إعلام غربية مثل Reuters وCNN وAgence France-Presse وThe Daily Telegraph تتحدث عن ضربةٍ معنوية كبيرة لصورة القوة العسكرية الأميركية، خصوصاً بعد التطورات المرتبطة بحاملة الطائرات USS Abraham Lincoln (CVN-72)، التي شكّلت لعقود رمزاً للهيمنة البحرية الأميركية في البحار البعيدة.
هذه التطورات أعادت طرح سؤال قديم جديد داخل الأوساط العسكرية: هل ما زالت حاملات الطائرات تحتفظ بالدور نفسه في الحروب الحديثة؟ فمع انتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة البعيدة المدى، تحوّل بعض المنصات العسكرية العملاقة إلى أهدافٍ مرتفعة التكلفة وسهلة الاستهداف نسبياً، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة التوازنات العسكرية في العقود المقبلة.
في الخلفية أيضاً، تتصاعد الضغوط الاقتصادية. ارتفاع أسعار النفط وتذبذب الأسواق المالية دفعا البيت الأبيض إلى إطلاق رسائل تطمين تفيد بأن العمليات العسكرية ستنتهي سريعاً بعد استكمال الأهداف المحددة. غير أن التسريبات من داخل المؤسسات العسكرية توحي صورةً مختلفة، إذ يتوقع بعض المسؤولين أن تستمر المواجهة لأسابيع وربما أكثر.
وهكذا، يجد العالم نفسه أمام لحظةٍ مفصلية. فالحرب التي اعتُقد في البداية أنها قد تكون محدودة وسريعة، تبدو اليوم أقرب إلى اختبارٍ واسع لموازين القوة في المنطقة. وبين حسابات السياسة ومفاجآت الميدان، يظهر أن القرارات الكبرى في زمن الصراعات الدولية لا تُقاس بقدرة الجيوش فحسب، بل أيضاً بمدى دقة قراءة الخصم واستيعاب حدود القوة.
وفي مثل هذه اللحظات، قد لا تكون المشكلة في اندلاع الحرب في حدّ ذاتها، بل في تلك اللحظة التي يكتشف فيها صانع القرار أن الحرب لم تسر وفق السيناريو الذي رسمه.
نبض