رمضان: بين مسلسل آجل وخبر عاجل

منبر 17-03-2026 | 09:15

رمضان: بين مسلسل آجل وخبر عاجل

لطالما ارتبط الجو الرمضاني العام بسلّة مسلسلات طافحة بالخيارات المنوّعة بين دراما تراجيدية مسيّلة للدموع، وكوميديا صاخبة مدرّة للضحكات. 
رمضان: بين مسلسل آجل وخبر عاجل
تعبيرية
Smaller Bigger

محمد رشاد الحلبي

 

 

لطالما ارتبط الجو الرمضاني العام بسلّة مسلسلات طافحة بالخيارات المنوّعة بين دراما تراجيدية مسيّلة للدموع، وكوميديا صاخبة مدرّة للضحكات. لكن هذا العام، أصبحت أحداث المنطقة بعينها مسلسلًا مدرًّا "للهول" . فأخذت تشكل العواجل والملاحق الإخبارية المتسارعة والغزيرة، مادة عازلة للمسلسلات التقليدية التي اعتدنا مشاهدتها في كل موسم. فبين استهداف مدمّر لقاعدة عسكرية من هنا، وقصف مزلزل لتجمع سكني من هناك، صرنا نحن أبطالًا لمسرحية "الدم والنار" التي يخرجها أقطاب من شتى أصقاع الأرض: إخراج أخرجنا من منازلنا، موسومين بصفة "نازح" لا يعلم متى تكون نهاية الحلقة الأولى من الموسم الأول لمسلسل "هيام في زمن الصيام". 
لا يمكن نكران أن هذه المسلسلات تمثل اليوم متنفّسًا لمن استطاع أن يشاهدها في "منفاه" الداخلي القسري؛ فمع وجود منصات تعرض ثلّة من العروض الدرامية المتنوعة، صار بإمكان المشاهد الفرار من حرارة الأخبار عبر نقرة صغيرة على الهاتف الجوال أو أي حاسوب محمول. ولكن هل بقيت متعة المشاهدة ذاتها كما كانت في ظل أوقات السلم؟ حتما ليس كذلك. فما إن تشرع إلى إشعال التلفاز أو تشغيل المنصة، حتى تشتعل الأجواء بغتة، فاسحةً في المجال لغول الأخبار العاجلة باقتحام تلك اللحظة، ورشق التنبيهات من كل حدب وصوب، فيختلط الزيت بالماء، ويتحول المزاج من وضعية الترفيه إلى وضعية التنبيه. 
تجدر الإشارة إلى أن هذه المسلسلات يمكن إسقاط شخصياتها وأحداثها على واقعنا الحالي. فمثلا شخصية "مشمش" في مسلسل "مولانا" تؤسس لنظرية سيكولوجية-إجتماعية تجعلنا نستأنس مع كل إطلالة لها في المسلسل. شخصية غارقة بالخفايا والأسرار؛ تارة تجدها ساذجة وعاطفية تتعامل مع كل الأحداث عاطفيًّا وفطريًّا، وطورًا تنقل المعلومات والأحداث بدقة مع قليل من الوعي . هكذا هو حالنا، أصبحنا للحظة نتمسك بأي معلومة من أي مصدر لتطمئن قلوبنا، غبر آبهين بمن يحرّر الخبر ويعممه وينشره، سواء كان "مشمش" أو فاكهة أخرى. بتنا نثق إعتباطيًّا بكائن من كان بما أنه يبث الأمل في خيالنا أو العكس.
بعد عدة أعوام من الآن او ربما العام المقبل، سنكون أمام دراما تحاكي قصص الحرب والنزوح والوطن المأزوم. سنشاهد أنفسنا بوجوه ممثلين وممثلات يبحثون عن شقة للإيجار بكلفة شراء برميل ماء من المحيط الأطلسي. وآخرون ينصبون خيمة على رصيف الكورنيش الذي كان أجمل نزهة لهم في زمن السلم المؤقت. كما ستلفحنا كاميرا المخرج بلقطات لعمليات رفع الأنقاض عن أرواح رفعت إلى السماء منحوتةً بالطين والدم. فبين "قاصف" و"مقصوف"، سنشاهد"نا" ونبكي"نا" وتصبح ذكرياتنا ترنداً على المنصّات. 
حتى هذه المسلسلات ستكون على موعد مع مفاوضات بحلّة جديدة؛ فذاك الممثل يريد مبلغًا وقدره، وتلك الممثلة تريد اسمها على رأس أسماء الشارة. وممثل يقلل من أداء ممثل آخر، معلنًا أنه هو كان المرشح الأسطوري للدور لكنه خُطِف منه دون سابق تحذير أو صافرة إنذار. خلاصة القول، حياتنا مليئة بالمعارك التي لا تنتهي؛ في السلم والحرب، لا ينفك المرء يبحث عن دورٍ بطولي على الشاشة أو في خيمة نزوح. فالبطل يمكن أن يكون أول المستفيدين من مساعدة أو مقاتل على الجبهة. أما في السلم، فالبطل هو حاصد أعلى نسبة مشاهدة في زحمة المسلسلات والأفلام. إن العالم يشاهد كل أنواع البطولات، تارة يراك رقمًا عاليًا على المنصات وتارة أخرى يراك رقما في تقرير وزارة الصحة. 
للأمانة، إن مأساة الممثلين لا يستهان بها، لأنهم يعيدون المشهد أكثر من مرة، بينما نحن نصنعه من أول "أكشن".
هل تخيلتم يومًا أن تصادفوا مشهدًا واقعيا صعبًا لا تعرفون كيف مرّ عليكم، ليأتيكم بعدها شخص يقول لكم نحن مضطرون لإعادته؟ هكذا هو حالنا بين حربٍ وأخرى. 



    
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/15/2026 9:20:00 PM
الخليج وبريطانيا يدينان تهديدات إيران للملاحة ويؤكدان حماية مضيق هرمز وباب المندب
الخليج العربي 3/16/2026 8:49:00 AM
"طيران الإمارات" تتوقّع تشغيل رحلات دبي بجدول محدود اليوم
كتاب النهار 3/16/2026 3:32:00 PM
الرئيس السوري يدرك جيداً أن أيّ تحريك للمجموعات المقاتلة المرتزقة التي حاربت في سوريا تحت لواء "داعش" و"جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام"، سيخرج المارد من القمقم
اقتصاد وأعمال 3/16/2026 11:19:00 AM
يكفي تعثر الملاحة فيها كي تتوقف مصانع، وتتأخر شحنات، وتُعاد حسابات القوى الكبرى.