لبنان… هل يتحقّق؟

منبر 16-03-2026 | 12:15

لبنان… هل يتحقّق؟

لبنان حلم يسكن وجدان أبنائه. منذ أكثر من قرن، يغنّي اللبنانيون لوطنٍ جميل، حرّ، متصالح مع ذاته. في الأغاني نرى صورة بلدٍ يشبه الفردوس: جبال تعانق السماء، بحر مفتوح على العالم، وشعب يحب الحياة. لكن عندما ننظر إلى الواقع، ندرك أن هذا الوطن الذي نغنّي له لم يتحقق بعد كما حلمنا به.
لبنان… هل يتحقّق؟
ارشيفية
Smaller Bigger
الاب فادي سميا


لبنان حلم يسكن وجدان أبنائه. منذ أكثر من قرن، يغنّي اللبنانيون لوطنٍ جميل، حرّ، متصالح مع ذاته. في الأغاني نرى صورة بلدٍ يشبه الفردوس: جبال تعانق السماء، بحر مفتوح على العالم، وشعب يحب الحياة. لكن عندما ننظر إلى الواقع، ندرك أن هذا الوطن الذي نغنّي له لم يتحقق بعد كما حلمنا به.
فهل لبنان حلم مستحيل؟ أم أنه مشروع لم يكتمل بعد؟
عندما وُلد الكيان اللبناني الحديث سنة 1920 لم يكن مجرد حدودٍ جغرافية، بل محاولة جريئة لبناء وطنٍ يجمع جماعاتٍ مختلفةٍ في الدين والثقافة والتاريخ. في هذه البقعة الصغيرة اجتمعت طوائف متعددة وتقاليد متنوعة وذاكرة تاريخية معقّدة. وكان السؤال منذ البداية واضحاً: هل يمكن لهذه الجماعات أن تتحول من طوائفٍ إلى شعب؟
حاول اللبنانيون الإجابة عن هذا السؤال عبر صيغة العيش المشترك التي كرّسها الميثاق الوطني سنة 1943. كانت تلك الصيغة تعبيراً عن رغبة صادقة في العيش معاً، لكنها بقيت مرتبطةً بالتوازنات الطائفية أكثر مما ارتكزت على مفهوم المواطنة. وهكذا نشأ التناقض اللبناني الكبير: وطن يجمع الجميع، لكن كل جماعة تخشى أن تخسر نفسها، وأحياناً تخاف على حساب خسارة الوطن.
كثيرون يعتقدون أن مشكلة لبنان هي تنوعه الديني والثقافي. لكن تجارب العالم تظهر أن التعددية ليست بالضرورة مشكلة. في سويسرا يتحدث الناس الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانش، ومع ذلك يشعر الجميع أنهم سويسريون أولاً. وفي كندا يعيش شعبان تاريخيان، الناطقون بالإنكليزية والفرنسية، ومع ذلك حافظت الدولة على وحدتها عبر نظامٍ ديموقراطيّ يحترم التنوع. وفي بلجيكا اختير النظام الفيدرالي لتنظيم العلاقة بين جماعاتٍ مختلفةٍ مع الحفاظ على دولة واحدة.
وفي آسيا تحولت سنغافورة، وهي دولة متعددة العرق، إلى نموذجٍ عالميٍّ بفضل الإدارة الجيدة ومحاربة الفساد والاستثمار في التعليم. كما استطاعت الإمارات العربية المتحدة أن تبني اتحاداً ناجحاً بين إمارات مختلفة.
هذه النماذج تؤكد حقيقة بسيطة: التعددية لا تمنع قيام دولةٍ ناجحةٍ إذا وُجدت إدارة حكيمة للتنوع.
في لبنان تحولت الصيغة التي كان هدفها حماية التوازن بين الطوائف إلى نظام محاصصةٍ دائم. لم تعد الطوائف جسوراً ثقافية، بل باتت حدوداً سياسية. ولم تعد الدولة مساحةً مشتركة للجميع، بل ساحة تتنافس فيها الزعامات على النفوذ. وهكذا ضعفت المؤسسات وفقد المواطن ثقته بالدولة، وتكررت الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب. المشكلة اللبنانية ليست في الشعب، بل في بنيةٍ سياسية تجعل الولاء للطائفة أقوى من الولاء للوطن.
كل التجارب الناجحة في العالم تشترك في عنصرٍ أساسيّ: وجود دولةٍ قويةٍ وعادلة. الدولة العادلة لا تميّز بين أبنائها، بل تعطي لكل مواطن حقه على أساس المواطنة. فيها يصبح القانون فوق الجميع وتصبح الكفاءة أساس الخدمة العامة. من دون هذه الدولة يبقى الوطن هشّاً، لأن الناس يبحثون عن الأمان في جماعاتهم الصغيرة بدلاً من الدولة.

من الأفكار التي طُرحت كثيراً في الفكر السياسي اللبناني فكرة حياد لبنان. الحياد يعني أن يبتعد الوطن عن صراعات المنطقة وأن يتحول إلى مساحة لقاءٍ وحوارٍ بدلاً من أن يكون ساحة صراع. وقد نجحت دول مثل سويسرا في هذا الخيار عندما قررت أن تبني قوتها في الاقتصاد والثقافة والإنسان لا في الحروب. لكن الحياد يحتاج إلى توافقٍ داخليٍّ عميقٍ وإلى إرادةٍ مشتركة أن يكون لبنان بيتاً للجميع لا ساحةً لمعارك الآخرين.
إذا أراد لبنان أن يخرج من دوامة الأزمات فهو يحتاج إلى تحوّلٍ عميقٍ في ثلاث نقاط أساسية: الانتقال من الطائفية السياسية إلى المواطنة، بناء دولةٍ قويةٍ عادلةٍ تحمي الجميع، وتبنّي رؤيةً وطنيةً تجعل لبنان مساحة لقاءٍ لا ساحة صراع. هذه التحولات ليست سهلة لكنها ليست مستحيلة.
لبنان ليس مجرد نظامٍ سياسي، بل يحمل أيضاً بُعداً روحياً. في هذه الأرض تعايشت الديانات والتقت الحضارات وولد الكثير من الفكر والثقافة. ربما لهذا يشعر كثيرون من اللبنانيين أن وطنهم ليس مصادفةً تاريخية بل دعوة إلى العيش معاً رغم الاختلاف. الرسالة اللبنانية ليست أن نكون متشابهين، بل أن نتعلم كيف نعيش اختلافنا بسلام.
لكن يبقى السؤال الأصعب: ماذا لو أن جزءاً من الشعب لا يريد هذا المفهوم للبنان؟ ماذا لو أن فئةً ترى مستقبل البلاد مرتبطاً بصراعات المنطقة أو بمشاريعٍ تتجاوز الوطن نفسه؟ هنا تظهر الحقيقة الصعبة: لا يمكن أي وطنٍ أن يقوم إذا لم يتفق أبناؤه على حدٍّ أدنى من الرؤية المشتركة. الحل ليس في إلغاء الآخر ولا في فرض مشروعٍ بالقوة، لأن القوة قد تؤجل الصراع لكنها لا تبني وطناً.
يبقى الطريق الحقيقي هو الحوار الصادق حول السؤال الأساسي: أي لبنان نريد؟ لبنان الساحة أم لبنان الوطن؟ فإذا اتفق اللبنانيون على أن لبنان هو وطن نهائي لجميع أبنائه، فيصبح ممكناً بناء دولةٍ عادلةٍ ومحايدة تحمي الجميع. أما إذا بقيت الرؤى متناقضةً حول هوية لبنان ودوره فسيبقى البلد يعيش في قلقٍ دائم.
لبنان ربما لم يتحقق بعد كما حلمنا به، لكنه لم يمت أيضاً. فكل مرةٍ يمر فيها هذا البلد بأزمةٍ ينهض بطريقةٍ مفاجئة. ربما لأن في هذا الشعب شيئاً عجيباً: قد يختلف اللبنانيون كثيراً في السياسة، لكنهم يلتقون دائماً في حب لبنان.
ومع ذلك تبقى الحقيقة واضحة: لبنان لن يتحقق إلا عندما يقتنع جميع أبنائه بأن هذا الوطن ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل مصير مشترك لا يمكن الهروب منه.
فإما أن نتفق على لبنانٍ واحدٍ يجمعنا،
وإما أن نبقى نعيش في وطنٍ لم يولد بعد.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/14/2026 3:10:00 PM
قرقاش: في الإمارات نثبت كل يوم أن صلابتنا أقوى من حقد المعتدي
المشرق-العربي 3/14/2026 7:08:00 AM
السفارة الأميركية تقع في المنطقة الخضراء في بغداد وتضم بعثات دبلوماسية ومؤسسات دولية وهيئات حكومية.
المشرق-العربي 3/14/2026 2:30:00 PM
انضمّت سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش".