حاصبيا تستقبل مئات النازحين... تضامن الأهالي وتنظيم للأحياء في مواجهة تحديات النزوح
فاتن كحيل
مع تصاعد التوترات الأمنيّة في جنوب لبنان خلال الأيام الماضية، وجدت بلدة حاصبيا نفسها أمام واقع جديد فرضته موجة نزوح لعائلات اضطرت إلى مغادرة قراها الحدوديّة بحثاً عن الأمان. فقد وصلت إلى البلدة خلال الأيام الماضية مئات العائلات التي غادرت منازلها على عجل، حاملين معهم القليل من الأمتعة، والعديد من المخاوف على مصير منازلهم ومصادر رزقهم.
وبحسب معطيات بلديّة حاصبيا، بلغ عدد النازحين الذين وصلوا إلى البلدة نحو 800 نازح تقريباً، معظمهم من القرى الحدوديّة مثل الخيام وكفركلا ودبين، حيث فرّ السكان من تصاعد التوترات الأمنية. وقد توزّع النّازحون بين مراكز الإيواء في المدارس الرسمية والقاعات العامّة، إضافة إلى منازل بعض الأهالي الذين فتحوا أبوابهم لاستقبال العائلات الوافدة، في مشهد يعكس روح التضامن الاجتماعي التي لطالما ميّزت المجتمعات الجنوبيّة في أوقات الأزمات.
منذ وصول العائلات الأولى، تحركت بلديّة حاصبيا، بالتعاون مع فعاليات البلدة وعدد من المتطوعين لتنظيم عمليّة الاستقبال وتأمين الاحتياجات الأساسيّة للنازحين، من موادّ غذائية ومياه وبعض المستلزمات الضروريّة، في محاولة لتخفيف الأعباء عن العائلات التي وجدت نفسها أمام تجربة نزوح مفاجئة.
وفي موازاة هذه الجهود الإنسانية، شهدت البلدة مبادرات أهليّة هدفت إلى تنظيم الأحياء والحفاظ على الاستقرار الداخلي. فقد بادر عدد من أبناء البلدة إلى تنظيم جولات مراقبة ليليّة في الشّوارع، بالتنسيق مع البلديّة، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على الأمن العام وضمان مرور هذه المرحلة الاستثنائيّة بهدوء.
ويؤكّد أهالي البلدة أن هذه المبادرات تأتي من باب الحرص على سلامة الجميع، سواء من سكّان البلدة أو من العائلات النازحة، خصوصاً مع الزيادة المفاجئة في عدد المقيمين داخل البلدة خلال فترة قصيرة.
وفي هذا السياق، أكّد رئيس بلديّة حاصبيا لبيب الحمرا أن البلدة قامت بواجبها الإنساني تجاه العائلات النازحة رغم الإمكانات المحدودة.
وقال إن حاصبيا استقبلت مئات العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها بسبب الأوضاع الأمنية، مشيراً إلى أنّ البلديّة تعمل بالتعاون مع أبناء البلدة والجمعيّات المحليّة على تأمين الاحتياجات الأساسيّة للنازحين وتنظيم عمليّة الإيواء بما يضمن راحة الجميع ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار البلدة.
وأضاف أنّ البلديّة تتابع أوضاع العائلات النازحة بشكل يومي، وتسعى إلى التنسيق مع الجهات الرسميّة والمنظّمات المعنيّة لتأمين الدّعم اللّازم في حال استمرّ النزوح لفترة أطول، خصوصاً في ظلّ الظروف الاقتصاديّة الصّعبة التي تمرّ بها البلاد.
وفي الوقت نفسه، انعكست حركة النزوح على بعض الأنشطة داخل البلدة، إذ شهدت الأسواق والمحال التجاريّة حركة إضافيّة نتيجة ازدياد عدد السكان. ورغم الضّغط الذي قد يفرضه هذا الواقع على بعض السلع، حاول أصحاب المتاجر الحفاظ على استقرار الأسعار قدر الإمكان مراعاة للظروف الصّعبة التي تمرّ بها العائلات النازحة.
أمّا النازحون أنفسهم، فيعيشون حالة من الترقب والقلق بانتظار اتضاح صورة الأوضاع الأمنية في قراهم. فالكثير منهم اضطر إلى مغادرة منزله على عجل، دون أن يتمكّن من أخذ الكثير من حاجيّاته أو ترتيب أموره قبل المغادرة، ما جعل تجربة النزوح أكثر صعوبة.
يقول أحد النازحين إن مغادرة القرية لم تكن خياراً سهلاً، لكنّها كانت ضرورة فرضتها الظروف الامنيّة، مضيفاً أن ما وجده في حاصبيا من استقبال وتعاون خفّف عنه وعن عائلته جزءاً كبيراً من القلق الذي رافقهم منذ لحظة النزوح.
وفي ظلّ هذه الظروف، يحاول النّازحون التأقلم مع واقع موقت فرضته التطورات الأمنيّة، فيما يواصل أهالي البلدة تقديم الدّعم والمساعدة قدر الإمكان. وقد ساهم هذا التعاون بين البلديّة والسكان والمتطوّعين في تخفيف حدّة الأزمة وتنظيم عمليّة استضافة العائلات النّازحة.
اليوم، تعيش حاصبيا واقعاً مختلفاً عمّا كانت عليه قبل أيّام. فالبلدة التي فتحت أبوابها لاستقبال العائلات النازحة تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على استقرارها وتنظيم أحيائها، في معادلة تجمع بين التضامن الإنساني والشعور بالمسؤوليّة الجماعيّة.
وبين الجهود التي يبذلها الأهالي والبلديّة لمساندة الوافدين، وحالة الترقب التي يعيشها النّازحون بانتظار العودة إلى قراهم، تبقى حاصبيا نموذجاً في كيفيّة مواجهة الأزمات بروح التضامن والتنظيم إلى حين انقضاء هذه المرحلة الصّعبة وعودة الحياة إلى طبيعتها في القرى الجنوبيّة.
هكذا تعيش حاصبيا اليوم بين واجب الضيافة الذي فرضه النزوح، وضرورة الحفاظ على الاستقرار داخل البلدة. وبين أبوابٍ فُتحت لاستقبال العائلات الوافدة وشوارع يحرص أبناؤها على مراقبتها وتنظيمها، يحاول الأهالي والبلديّة إدارة هذه المرحلة الدقيقة بروح من التضامن والمسؤولية، بانتظار أن تهدأ الأوضاع قريباً ويعود النازحون إلى قراهم وديارهم بسلام.
نبض