تثبيت أهالي الشريط الحدودي في أرضهم فعل مقاومة دفاعاً عن لبنان
يقوم السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا بجولات ميدانية في القرى الممتدة على الشريط الحدودي جنوب لبنان، باسم الكرسي الرسولي، وبتوجيه مباشر من قداسة البابا لاون الرابع عشر. وتأتي هذه المبادرة بهدف "الوقوف على حاجات المناطق المسيحية الحدودية وتقييم أوضاعها، والعمل على دعم صمود سكانها وتعزيز قدرتهم على الثبات في أرضهم"، كما صرّح السفير البابوي من أرض الجنوب.
ويحرص بورجيا على أن يكون حضوره مباشراً وملموساً بين السكان. فزياراته الميدانية لهذه المناطق لا تندرج في إطار الواجب البروتوكولي، بل تعكس إرادة واضحة لدى الكرسي الرسولي لمواكبة أبناء هذه القرى عن قرب في مرحلة حساسة من تاريخ لبنان.
في هذا السياق، يكتسب الحضور الميداني للكرسي الرسولي، إلى جانب اللبنانيين في محنتهم اليوم، وفي مختلف أنحاء البلاد، دلالة خاصة. فإلى جانب النشاط الديبلوماسي الذي لا يهدأ دفاعاً عن لبنان في المحافل الدولية ولدى مراكز القرار، يواكب هذا الحضور الميداني عمل إنساني واجتماعي واسع تقوم به مؤسسات كنسية وخيرية، من بينها كاريتاس ومنظمة فرسان مالطا ذات السيادة، بالتنسيق المستمر مع السلطات اللبنانية والمؤسسات المحلية.
ومن خلال هذا الحضور في منطقة تختلط حياة ناسها اليومية بقلق التوترات الأمنية، يبعث الكرسي الرسولي برسالة واضحة مفادها أن الكنيسة تتابع عن كثب ما يعيشه اللبنانيون أينما وجودوا، وتحرص على أن تبقى قريبة منهم في أوقات الشدة.
يدرك أبناء هذه المناطق حجم المخاطر التي تحيط بهم، كما يدركون أن المرحلة الراهنة تحمل الكثير من الغموض وعدم اليقين. ومع ذلك، فإنهم يرفضون أن يتسلل الشك إلى إيمانهم بضرورة استمرار حضورهم في أرضهم. غير أن هذا الإصرار لا يلغي حقيقة التحديات القائمة، ولا يبدد المخاوف التي يعيشونها يومياً. ومن هنا تأتي أهمية الزيارة التي يقوم بها ممثل الكرسي الرسولي، إذ تشكل دعماً معنوياً يعزز ثقة السكان بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه الظروف الصعبة.
وفي الوقت نفسه، يحرص الكرسي الرسولي على التمسك بموقف متوازن وواضح: فهو يدعم صمود الناس ويشجعهم على التمسك بأرضهم، لكنه لا يسعى إلى التأثير في القرار الشخصي لكل عائلة في شأن البقاء أو المغادرة في ظل الظروف الراهنة، إدراكاً منه لحساسية هذه الخيارات وما تنطوي عليه من اعتبارات إنسانية وأمنية.
إن الرؤية التي تحرك هذا الانخراط البابوي في الجنوب اللبناني هي رؤية بعيدة المدى، تُنسَّق فيها الجهود مع السلطات اللبنانية، ومع الكنائس المحلية، ومع قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، وتستند إلى اقتناع راسخ بضرورة حماية الوجود المسيحي في هذه المناطق، وهو وجود لطالما تعرض عبر التاريخ لتحديات قاسية بفعل الحروب والتحولات الإقليمية.
لكن الدفاع عن هذا الوجود لا يقتصر على بعده الديني أو التاريخي فحسب، بل يرتبط أيضاً بحماية النموذج اللبناني نفسه. فهذا النموذج القائم على التعددية والتعايش بين مختلف المكونات الدينية والثقافية، يُنظر إليه في الكرسي الرسولي كإحدى الصيغ النادرة في الشرق الأوسط التي تتيح قيام مجتمع متنوع ومتوازن في آن واحد، والذي على الرغم من أوجه القصور التي قد تعتريه، يبقى إطاراً عاماً يحافظ على التنوع، ويمنح مختلف الجماعات إمكان العيش المشترك في ظل احترام متبادل.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على الحضور المسيحي في هذه الأرض، التي وطئتها قدما المسيح، يُعدّ في نظر الكرسي الرسولي جزءاً لا يتجزأ من الدفاع عن هذا التوازن الدقيق الذي يقوم عليه لبنان.
غير أن استمرار هذا النموذج لا يمكن أن يتحقق من دون السلام. فالسلام بمعناه الشامل، هو الشرط الأساسي لبقاء لبنان واستقراره: سلام يضع حداً لدورات العنف والتوتر، ويتيح للمجتمع اللبناني أن يعيد بناء مؤسساته ويستعيد الثقة بمستقبله. وقد ظل هذا السلام في صلب الدعوات المتكررة التي أطلقها البابا لاون الرابع عشر خلال زيارته التاريخية للبنان، مؤكداً أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا في ظل استقرار حقيقي يضمن الأمن والكرامة لجميع أبنائه.
إلى جانب السلام، يحتاج النموذج اللبناني إلى عنصر آخر لا يقل أهمية: احترام خصوصيات المكونات المختلفة للمجتمع. فالتنوع الذي يميز لبنان لا يتحول إلى مصدر غنى إلا عندما تقترن به إرادة صادقة في صون الهويات الثقافية والدينية لكل جماعة، وفي ترجمة هذا الاحترام إلى سياسات وممارسات ملموسة تعزز الثقة بين المواطنين.
هذا الالتزام يعكس تضامناً صادقاً وغير مشروط مع لبنان وشعبه. فحضور الكرسي الرسولي في هذه المرحلة الدقيقة لا تحركه حسابات سياسية أو مصالح آنية، بل ينبع من اقتناع راسخ بضرورة الوقوف إلى جانب الشعوب في أوقات المحنة. وكما يقال دائماً، فإن الأصدقاء الحقيقيين يظهرون في الساعات العصيبة، وفي هذه اللحظات الصعبة من تاريخ لبنان، يسعى الكرسي الرسولي إلى أن يكون حاضراً بينهم، شاهداً على الألم، وداعماً للأمل.
نبض