تعودنا على التطبيع قبل السلام
سالي حمود
تعودنا على تطبيع المجازر بعد منتصف الليل
تعودنا على تطبيع القتل في كل يوم
تعودنا على تطبيع كل غارة، كأنها باتت جزءاً من روتيننا اليومي. في تحذير؟ وين؟ دقّي لفلان. ضربوا؟
تعودنا على تطبيع الفقد. أن نفقد زميلاً أو زميلة، طالباً أو طالبة، صديقاً أو صديقة، لنجدهم في تبادلٍ لأوراق النعي من هنا وهناك...
تعودنا على تطبيع التشرّد
تعودنا على تطبيع النزوح
تعودنا على تطبيع التهجير
تعودنا على التطبيع في اختلافنا بين بعضنا
تعودنا على التطبيع في رفض من لجأ إلينا من أجل ملاذٍ آمن
تعودنا على التطبيع في استغلال طيبة من يؤوي العائلات.
تعودنا على التطبيع في توقيف مواطنٍ، أو صحافي، أو ناشطٍ،أو ناشطة، على خلفية كلمةٍ، أو شتيمة خرجت من وجع قلب ومن قهر العجز.
تعودنا على التطبيع في السياسة الخارجية
تعودنا على التطبيع في مسايرة العدو، ومهادنة المعتدي، رحمةً بما تبقّى من تبقى ومن تبقى.
وتعودنا أيضاً على احتساء كأسٍ بين خبرٍ عاجلٍ وآخر مباشر.
تعودنا أن نطمئن على أحبتنا، عين على الهاتف، وأخرى على الشاشة وفي يدٍ كأساً وفي الأخرى لطم أو صلاة، ونحن نعدّ الدقائق بين التحذير والغارة.
تعودنا على تطبيع تحويل المدارس إلى مراكز إيواء،
بدل أن تكون مراكز للتعلّم.
تعودنا على تحويل الصفوف من غرف معرفةٍ إلى غرفٍ موقتة للنوم. هناك، حيث ينام الأطفال والمعلمات، ويستفيقون، ويأكلون ويشربون، لكنهم لا يتعلّمون ولا يعلِّمون، سوى أن في الموت طبقيةٌ كما هي في الحياة.
تعودنا على تطبيع رؤية نازحين ينامون في سياراتهم،
أو يفترشون الأرض قرب البحر، خوفاً من صاروخٍ أو هرباً من من غضب إخوانهم في المقلب الآخر من الجغرافيا. يا لعنة الجغرافيا!
تعودنا أن نذهب إلى أعمالنا كل صباح
Business as usual،
رغم اغتصاب سكينة نومنا تحت القصف والغارات
في الليل، أو في الفجر، أو في دوام العمل.
نذهب إلى أعمالنا معميِّين، وكأن شيئاً لم يكن. فاقدين الذاكرة، القصيرة والطويلة.
تعودنا أن نرى دولةً مشغولةً بكل شيء إلا بالوطن.
تعودنا على تطبيع الولاء لدولٍ أخرى سوى الوطن.
تعودنا على التطبيع قبل السلام.
وتعودنا، شيئاً فشيئا، على تطبيع أن الدولة لا تعني الوطن.
نبض