الشرق الأوسط ... في عاصفةٍ لا ترحم

منبر 16-03-2026 | 09:28

الشرق الأوسط ... في عاصفةٍ لا ترحم

تشهد المنطقة واحدةً من أكثر لحظاتها حساسيةً منذ نهاية القرن العشرين، بحيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية فوق أرضٍ ملتهبةٍ بالحروب والصراعات. 
الشرق الأوسط ... في عاصفةٍ لا ترحم
انفجار ضخم عقب غارات جوية بالقرب من برج أزادي بالقرب من مطار مهر أباد الدولي في طهران في 7 مارس 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

 المهندس عبدالله ناصرالدين 

 

 

   تشهد المنطقة واحدةً من أكثر لحظاتها حساسيةً منذ نهاية القرن العشرين، بحيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية فوق أرضٍ ملتهبةٍ بالحروب والصراعات. فالمواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران و"حزب الله " من جهة أخرى، لم تعد مجرد مناوشاتٍ أو رسائل عسكرية محدودة، بل أخذت تتحول تدريجاً إلى حربٍ مفتوحةٍ تتكشف فصولها يوماً بعد يوم. وبين التصعيد العسكري والقلق الشعبي، يقف العالم على حافة مرحلةٍ تاريخيةٍ قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي لسنواتٍ طوال مقبلة.
إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته من زاوية عسكرية أو سياسية ضيقة فحسب، بل يتطلب مقاربةً إنسانية وقانونية أيضاً. فالحروب، مهما تعددت ذرائعها، تبقى في جوهرها مأساةً إنسانية تتجاوز حدود الدول والجيوش لتطاول المدنيين والاقتصادات والاستقرار الاجتماعي. ومع اتساع رقعة المواجهة، يصبح السؤال الأهم: هل يقف العالم فعلاً على حافة الهاوية التاريخية؟
 تشير المؤشرات المتراكمة إلى أن الحرب لم تعد احتمالاً نظرياً، بل بدأت تتحول إلى حقائق ميدانية. ويذهب بعض المراقبين إلى اعتبارها أول مأزقٍ استراتيجي كبير تواجهه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، حين كانت واشنطن القوة الدولية شبه المنفردة في قيادة النظام العالمي. غير أن التطورات الأخيرة، خصوصاً بعد التحليلات التي صدرت عن مراكز القرار العسكري في البنتاغون، كشفت عن تعقيداتٍ غير متوقعة في مسار المواجهة.
فمن الناحية العسكرية البحتة، بدأت تظهر مؤشرات استنزافٍ في القدرات الدفاعية. فالمخازن الأميركية التي تضم صواريخ الاعتراض المتطورة مثل "ثاد" و"باك-3" تتعرض لضغطٍ متزايد. هذه الصواريخ، التي تصل تكلفة تصنيع الواحد منها إلى نحو ثلاثة ملايين دولار، تُستخدم لاعتراض أهدافٍ قد لا تتجاوز قيمتها عشرين ألف دولار، وهو خلل واضح في معادلة التكلفة العسكرية. ومع تكرار عمليات الاعتراض، تتحول المعركة إلى فخ استنزافٍ طويلٍ يلتهم العتاد والأموال وحتى الأرواح، من دون حسمٍ سريعٍ في الميدان.
هذا الواقع يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، من بينها ما يسميه بعض الخبراء "الهروب الاستراتيجي"، أي البحث عن مخرجٍ مشابهٍ لما حدث في أفغانستان حين وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حرب طويلة التكلفة بلا أفقٍ واضحٍ للنصر.
وفي البحر، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقد اكتشفت البحرية الأميركية أن تأمين مئات السفن التجارية والعسكرية في المنطقة يتطلب مضاعفة الوجود البحري بشكل كبير، ما يطرح تساؤلاتٍ جديةٍ حول أمن الممرات الحيوية. ويبرز في هذا السياق مضيق هرمز بصفته أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ إن أي اضطرابٍ واسعٍ فيه قد يدفع بأسعار النفط إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ قد تلامس 150 دولاراً للبرميل، وهو ما سيهزّ اقتصادات العالم بأسره.
غير أن المأزق الأميركي لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الداخل الأميركي، حيث يتزايد القلق من اتساع رقعة الصراع وتأثيره على الاقتصاد والسياسة الداخلية. وفي المقابل، يراهن بعض القوى الدولية على أن انشغال واشنطن بهذه المواجهة قد يشتت تركيزها عن ملفاتٍ استراتيجيةٍ أخرى.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الروسي والصيني كعاملٍ مؤثرٍ في المعادلة الدولية. فبينما تنشغل الولايات المتحدة بمواجهة الطائرات المسيّرة من طراز "شاهد 136" وسواها من أدوات الحرب التي تشعل المنطقة، تشير تقارير إلى أن موسكو وبكين تعملان على بحث مستقبل المنطقة من ضمن رؤيةٍ أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي، بما في ذلك دراسة إمكان إطلاق نظامٍ نقديٍّ دوليٍ جديدٍ قد يشكل بديلاً من هيمنة الدولار.
وسط هذه التعقيدات، تبقى إيران في قلب المعادلة. فتعرضها لضربةٍ عسكريةٍ ساحقة قد يؤدي إلى تدميرٍ واسعٍ في بنيتها العسكرية والاقتصادية، إلا أن مثل هذا السيناريو قد يفتح أيضاً أبواب جحيمٍ إقليمي، مع احتمالات اندلاع موجات نزوحٍ غير مسبوقة وتوسع دائرة الصراع لتشمل دولاً عدة في المنطقة.
أما على المستوى السياسي الأميركي، فإن أي إدارةٍ في البيت الأبيض، بما في ذلك إدارة يقودها دونالد ترامب، ستجد نفسها أمام خياراتٍ صعبة، قد تضطر معها إلى البحث عن طوق نجاةٍ سياسي واستراتيجي، حتى لو كان ذلك عبر تسويةٍ مرّة تشبه "تجرّع السم" لتفادي انفجارٍ أكبر.
وفي نهاية المطاف، يبقى التاريخ شاهداً على أن التحولات الكبرى لا تُكتب في بيانات القادة وخطاباتهم فحسب، بل تُخط بدماء الجنود، وبثروات الدول، وبمصير اقتصاداتٍ وشعوبٍ كاملة تجد نفسها فجأةً في قلب عاصفةٍ لا ترحم.                                       

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/14/2026 3:10:00 PM
قرقاش: في الإمارات نثبت كل يوم أن صلابتنا أقوى من حقد المعتدي
المشرق-العربي 3/14/2026 7:08:00 AM
السفارة الأميركية تقع في المنطقة الخضراء في بغداد وتضم بعثات دبلوماسية ومؤسسات دولية وهيئات حكومية.
المشرق-العربي 3/14/2026 2:30:00 PM
انضمّت سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش".