حرية الإعلام والسلطة الصالحة لمعاقبة الإعلاميين في حال ارتكابهم الأخطاء في أثناء قيامهم بأعمالهم
الدكتور الياس ناصيف - القاضي في منصب الشرف
من الحريات العامة المعترف بها محليًا ودوليًا: حرية الرأي ومغزى هذه الحرية أن يكون لصاحب الرأي القناعة والشجاعة للإدلاء برأيه حتى ولو كان مخالفًا أو غير منسجم مع آراء أصحاب السلطة والنفوذ.
وتتجلى حرية الرأي بأبهى مظاهرها في الصحافة ووسائل الإعلام سواء أكانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة.
ولذلك فالصحافي أو الإعلامي، بوجه عام، مهما كان دوره وفي أية وسيلة إعلامية يعمل، عليه أن يكون حرًا في إبداء رأيه. ولكن هذه الحرية تحمّله مسؤولية عميقة لا حدود لها على المستويات كافة، الشخصية منها والمالية، وحتى الحياتية. ولذلك يتوجب على الصحافي أو الإعلامي أن يكون متمتعًا بالثقافة والعلم والمعرفة والتجرد والنزاهة وسبر اغوار الوقائع التي يبدي رأيه بشأنها. ليكون هذا الرأي صحيحًا ومقنعًا وموجهًا ومنورًا للرأي العام. وهذا ما يستوجب العمل الدؤوب، وسهر الليالي والتضحية والتفاني، ليكون دعامة من دعائم المجتمع السليم.
وعلى الصحافي أو الإعلامي ألا يخضع لأية سلطة تعلوه ويكون لها من القوة والنفوذ ما يلزمه على تغيير رأيه من دون قناعة. كما عليه ألا يخضع للمغريات التي تؤدي به إلى الحيد عن الحقيقة والتجرد، وإلا فقد حرية الرأي وحاد عن الطريق القويم.
ولذلك لا يخضع الإعلاميون ووسائل الإعلام في الآراء التي يبدونها إلى سلطة وزير الإعلام، ولا يكون لوزير الإعلام دور الرئيس التسلسلي الذي يمكنه أن يوجه أمرًا إلى الصحافي أو الإعلامي بوجوب تغيير رأيه، او أن يفرض عليه العقوبات، حتى ولو كانت تأديبية. وذلك لأن الرأي هو قناعة شخصية وسلوك مبني على حقيقة الوقائع والإدلاء بها بكل شجاعة. وإلا فقدت حرية الرأي دورها ومعناها وخالفت مبادئ الحريات العامة.
فإذا كان وزير الإعلام بصفته هذه من صلاحياته أو سلطته التوجيه والتحسين انسجامًا مع سياسة الدولة وسلطة الحكومة فإن سلطته على رجال الإعلام لا تتجاوز هذه الحدود المعنوية إلى المناقشة في الرأي الحر الذي يبديه الصحافي.
ووضع وزير الإعلام شبيه بوضع وزير العدل، لجهة عدم سلطة وزير العدل على عمل القاضي في حكمه، مع الفرق أن وزير العدل يمكنه توجيه النيابات العامة ويكون رئيسًا لها.
أما وزير الإعلام فلا نيابات عامة لديه ولا يسعه معاقبة الإعلاميين. فمن يعاقبهم إذا أخطأوا في أعمالهم، وأساؤوا استعمال حقهم، وتعرضوا لحريات الأشخاص وكراماتهم.
إن السلطة التي تحاسبهم وتفرض عليهم العقوبات المناسبة هي السلطة القضائية، تطبيقًا لأحكام القوانين والأنظمة، ومن هذه القوانين قانون المطبوعات وقانون العقوبات في القضايا الجزائية، وقانون الموجبات والعقود في ما يتعلق بالمسؤولية المدنية. وبالفعل ففي جرائم القدح والذم والتحقير، يطبق على الصحافي قانون المطبوعات (المواد 17 وما يليها) وقانون العقوبات (المواد 385 – 389).
حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 17 من قانون المطبوعات على أنه في كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون بشأن قضايا الذم والقدح والتحقير، تطبق عليه أحكام قانون العقوبات.
وثمة جرائم في قانون المطبوعات تطبق عليها عقوبات مناسبة ومنها الأخبار الكاذبة والتعرض لشخص رئيس الدولة، والتحريض على ارتكاب الجرائم وإثارة النعرات والتعرض لسلامة الدولة، وتهديد الأشخاص بواسطة المطبوعات والإعلانات والصور وإفشاء الأسرار، وكل ما يتعلق بكرامة الأشخاص وشرفهم.
وسوى ذلك من العقوبات التي يمكن أن تفرض على رجال الإعلام بموجب القوانين والأنظمة النافذة، والتي نكتفي بذكر هذه الأمثلة عنها.
وخلاصة القول هي أن وزير الإعلام لا سلطة قانونية له على الإعلامين لمعاقبتهم في حال ارتكابهم الأخطاء أثناء قيامهم بأعمالهم. أما السلطة الصالحة لمعاقبتهم إذا اقتضى الأمر ذلك فهي سلطة القضاء، تطبيقًا للقوانين التي يخضع الإعلاميون إليها.
نبض