إسلام مري*
في لحظاتٍ تاريخية معينة، تصبح الكلمات أفعالاً، وتتحول الرسائل إلى مواقف أخلاقية تتجاوز حدود السياسة. الرسالة التي وجّهها المرجع الديني الأعلى للشيعة أية الله علي الحسيني السيستاني إلى بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر مطلع الشهر الجاري، ليست مجرد خطاب ديبلوماسي بين مرجعيتين دينيتين، بل محاولة لإعادة الدين إلى وظيفته الأصلية: حماية الإنسان من جنون القوة، لا تبريرها.
فالشرق الأوسط اليوم يرقص على قرع طبول حرب تبدو في ظاهرها صراع مصالح واقتصاد وسياسة، غير أن التأمل العميق في خطاب الفاعلين الأساسيين يكشف أن هذه الحرب تحمل في جوهرها بعداً دينياً واضحاً. فحين يختار وزير الحرب الأميركي أن يتلو بين الحين والآخر اقتباسات من الإنجيل في سياق الحديث عن الصراع مع إيران، فإن السياسة هنا تستعير لغة الوحي لتمنح قراراتها طابعاً قدرياً. وحين يكرر داعمي الريس الأميركي دونالد ترامب والمحيطين به، أن كل ما يجري هو جزء من "خطة الله"، فضلاً عن مصطلحات مثل أرمجدون"، "وترامب ممسوح من يسوع" بوصفه صاحب رسالة شبه إلهية وفق رؤية البروتستانتية الإنجيلية، فإننا لا نكون أمام لغة سياسية تقليدية، بل أمام سردية لاهوتية تُستدعى لتبرير الفعل السياسي، في تكرار صريح لحرب يُراد لها ان تكون صليبية.
في الجانب الآخر من المعادلة، يقدّم بنيامين نتنياهو مشروعه الإقليمي بوصفه امتداداً لرواية توراتية ترى أن الطريق إلى بناء الهيكل لا يمر إلا بتحطيم "بابل"، والقضاء على النظام الديني في إيران.
من سوء حظ الجغرافيا في الشرق الأوسط أن التاريخ يتكرر في كل مرة، منطقة غنية بالثروات يُراد لها ان تتشكل وفق تأويلات دينية، لا بتطلعات سكانها، والصراع السياسي فيها سواء كان داخلياً او خارجياً مهيئ ليكون حرب رمزية بين سرديات لاهوتية متنافسة.
في هذا السياق، تأتي رسالة السيستاني لتطرح سؤالاً أخلاقياً كبيراً: إذا كانت السياسة قد استعارت الدين لتبرير الحرب، فمن يُعيد للدين صوته الإنساني؟ هنا تحديداً يظهر دور الفاتيكان، بوصفه أحد أهم المراكز الروحية في العالم المسيحي. فحين يتحدث قادة سياسيون باسم الإيمان لتبرير مشاريع القوة، يصبح الصمت الديني نوعاً من الإقرار الضمني.
السيستاني، بخبرته الروحية العميقة، يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث في التاريخ هو تفويض الدين لخدمة الطموحات الإمبراطورية. لذلك، جاءت رسالته بلغة إنسانية هادئة، لكنها تحمل في جوهرها محاولة لقطع الطريق أمام تحويل العقيدة إلى أداة صراع.
إنها دعوة غير مباشرة لتتفق المرجعيات الدينية الكبرى على إعادة تعريف دور الدين في زمن الحروب: لا كراية تُرفع فوق الدبابات، بل كصوتٍ يذكّر البشر بحدود القوة.
فشلت القوى الكبرى – من الصين وروسيا إلى الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا ومعها منظومة الأمم المتحدة – في إيقاف المسار المتسارع في الحرب مع إيران. وربما ستفشل مرة أخرى، لأن حسابات المصالح تكون في الغالب أقوى من نداءات العقل. لكن التاريخ يخبرنا أن ما تعجز عنه الديبلوماسية قد تنجح فيه الأخلاق أحياناً والقيم الإنسانية والحضارية احياناً أخرى.
لهذا، تبدو رسالة أية الله السيستاني محاولة نادرة لإحياء تحالفٍ روحي عالمي، قد يمتد من النجف إلى الفاتيكان، هدفه الوحيد أن يقول للعالم إن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بقدرة الإنسان على خوض الحروب، بل بقدرته على منعها.
*اعلامي اعراقي مهتم بالشأن السياسي والأمني
نبض