ترامب أمام معادلة صعبة: بين إعلان النصر أو وقف الحرب
د.علي حمود
في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، يجد الرئيس الأميركي السابق Donald Trump نفسه أمام معادلة معقدة: هل يمضي نحو تصعيد أوسع في الشرق الأوسط سعياً لإعلان "نصر استراتيجي" أم يختار وقف الحرب قبل أن تتحول إلى عبء اقتصادي وجيوسياسي على الولايات المتحدة؟ هذا السؤال لا يرتبط فقط بموازين القوة العسكرية، بل أيضاً بحسابات الطاقة والاقتصاد العالمي، وبمستقبل النظام الدولي الذي يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية.
الشرق الأوسط، ولا سيما الخليج، يمثل القلب النابض لمنظومة الطاقة العالمية. فالدول الخليجية، وعلى رأسها Saudi Arabia وUnited Arab Emirates وQatar، تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز في بناء اقتصادها، لكنها في الوقت ذاته استثمرت مليارات الدولارات في البنية التحتية الحيوية، خصوصاً محطات تحلية المياه التي تشكل شريان الحياة للمدن الساحلية والصناعات الثقيلة. هذه المنشآت ليست مجرد مشاريع خدمية، بل جزء من منظومة أمن الطاقة العالمي.
أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة، خصوصاً في حال توسع المواجهة مع Iran أو امتدادها إلى Lebanon وIraq وYemen، قد يضع هذه البنية التحتية الحيوية في دائرة الخطر. ضرب منشآت الطاقة أو تعطيل محطات التحلية سيعني اضطراباً كبيراً في أسواق النفط والغاز، وارتفاعاً حاداً في الأسعار العالمية، ما سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي.
منذ سبعينيات القرن الماضي، شكل نظام "البترودولار" إحدى ركائز القوة الاقتصادية الأميركية. فمع تسعير النفط عالمياً بالدولار، تتدفق مئات مليارات الدولارات من عائدات الطاقة إلى الأسواق المالية الأميركية عبر الاستثمارات السيادية الخليجية. هذه الأموال لا تدعم فقط سوق السندات الأميركية، بل تموّل أيضاً قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
لكن هذه المعادلة باتت أكثر هشاشة اليوم. فارتفاع الدين السيادي الأميركي إلى مستويات تاريخية، إلى جانب الضغوط التضخمية المتواصلة، يجعل أي صدمة نفطية جديدة عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد الاقتصادي. وفي حال تحولت الحرب إلى صراع طويل، فإن تكلفتها العسكرية قد تتجاوز بكثير ما تستطيع واشنطن تحمله في هذه المرحلة.
المفارقة أن كلفة الحرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة تختلف جذرياً عن كلفتها لدى خصومها الإقليميين. فالدول التي تعتمد على حروب غير متكافئة أو شبكات إقليمية من الحلفاء تستطيع إدارة الصراع بتكاليف أقل بكثير مقارنة بالآلة العسكرية الأميركية الضخمة، التي تحتاج إلى إنفاق هائل للحفاظ على انتشارها العالمي.
في الداخل الأميركي، تظهر استطلاعات الرأي ميلاً متزايداً لدى الرأي العام لرفض الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. فبعد عقدين من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، باتت قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي أكثر ميلاً للتركيز على التحديات الاقتصادية الداخلية بدلاً من المغامرات العسكرية الخارجية.
هذا العامل الداخلي يضع ترامب أمام ضغط سياسي مزدوج: فمن جهة، يسعى إلى إظهار القوة والقدرة على فرض الردع، ومن جهة أخرى يدرك أن أي حرب طويلة قد تتحول إلى عبء انتخابي واقتصادي.
في المقابل، يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة نحو تعددية قطبية تقودها قوى كبرى مثل China وRussia. هذه القوى تسعى إلى إعادة تشكيل بنية النظام العالمي على أساس توازنات جديدة، وهو ما ينعكس أيضاً على الشرق الأوسط، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم قواعد اللعبة.
ضمن هذا السياق، يمكن تصور سيناريوين رئيسيين لمستقبل المنطقة. الأول يقوم على نوع من إعادة توزيع النفوذ بين واشنطن وطهران، ليتمّ احتواء الصراع ضمن حدود توازن إقليمي غير معلن يضمن استمرار تدفق الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.
أما السيناريو الثاني، فهو أكثر دراماتيكية، ويتمثل بصعود محور إقليمي يضم إيران وحلفاءها في لبنان والعراق واليمن، مقابل تراجع النفوذ الأميركي وحلفائه، وعلى رأسهم Israel، في موازين القوة الإقليمية.
في النهاية، تبدو معادلة ترامب محكومة بحقيقة أساسية: إعلان النصر في الحروب الحديثة لم يعد مسألة عسكرية فقط، بل أصبح قراراً اقتصادياً واستراتيجياً معقداً. وبين كلفة الحرب الباهظة، وضغوط الاقتصاد الأميركي، والتحولات الكبرى في النظام الدولي، قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو البحث عن مخرج سياسي يسمح بوقف التصعيد قبل أن تتحول الحرب إلى أزمة عالمية مفتوحة.
نبض