جهيمان وترامب... وقادة على حافة الخرافة

منبر 12-03-2026 | 09:24

جهيمان وترامب... وقادة على حافة الخرافة

في التاريخ كثيراً ما يختلط السياسي بالأسطوري، ويصبح القائد أكثر من مجرد رجل دولةٍ أو متمردٍ عليها، ويتحول بعض الشخصيات إلى رموزٍ استثنائيةٍ ترى نفسها جزءاً من قصة نهاية زمن وبداية آخر، وترتبط في الأدبيات الاسلامية بعصر الملاحم والفتن، وفي الأدبيات المسيحية واليهودية بمعركة هرمجدون وعودة المسيح عليه السلام. 
جهيمان وترامب... وقادة على حافة الخرافة
لقاء سابق بين ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض (أ ف ب).
Smaller Bigger

أحمد شهاب - الكويت 

 

 

في التاريخ كثيراً ما يختلط السياسي بالأسطوري، ويصبح القائد أكثر من مجرد رجل دولةٍ أو متمردٍ عليها، ويتحول بعض الشخصيات إلى رموزٍ استثنائيةٍ ترى نفسها جزءاً من قصة نهاية زمن وبداية آخر، وترتبط في الأدبيات الاسلامية بعصر الملاحم والفتن، وفي الأدبيات المسيحية واليهودية بمعركة هرمجدون وعودة المسيح عليه السلام. 

قبل أيام كنت أتأمل في بعض المنقولات التاريخية حول فكرة نهاية الزمن، وجال في مخيلتي عدد من الشخصيات التاريخية والمعاصرة، والتي تختلف في العقيدة ولكنها ترتبط بالمنشأ النفسي. خذ مثلاً شخصية جهيمان العتيبي الذي احتل الحرم المكي عام 1400 هجري، والرئيس الاميركي ترامب، ورئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو. 
المقارنة هنا لا تعني المساواة الأخلاقية وانما التشابه في البنية النفسية، ظاهرة "القائد" الذي يظهر وقت الاضطرابات، فيرى نفسه المخلص والمنقذ.

ترامب صعد في قلب القوة الغربية الحديثة ومن خلفياتٍ إنجيلية، بينما خرج جهيمان من عمق الصحراء في الجزيرة العربية ومن خلفياتٍ اسلامية، لكن كلاهما تحركا داخل تصورٍ نفسيٍّ وروحيٍّ يرى العالم كأنه يمرّ بلحظةٍ فاصلةٍ تتطلب ظهور شخصيةٍ تنقذ العالم من الشر، واعتبر نفسه هو ذلك الشخص الاستثنائي. 

هذا النمط من التفكير ليس جديداً في التاريخ، ففي أزمنة الاضطراب تظهر دائماً فكرة المنقذ الذي يعتقد أن مهمته ليست إدارة السياسة بل إعادة ترتيب العالم، وهنا يتحول الخطاب من لغة البرامج إلى لغة المصير، ويصبح القائد في نظر نفسه المخلص، وفي نظر أتباعه الملاذ والأمل، بينما يراه خصومه الخطر التاريخي، وينسج لنفسه هالةً من الخرافة تغذيها الجماهير المتعطشة للمعجزات.

إرتكز خطاب جهيمان العتيبي على فكرة أن العالم الإسلامي بلغ مرحلة الانحراف الكامل، وأن الزمن يقترب من لحظة التصحيح الإلهي. وفي رسائله التي انتشرت قبل حادثة احتلال الحرم المكي، كرر أن الأمة دخلت "عصراً من الظلم والترف والبعد عن الشريعة"، وأن ظهور المهدي هو العلامة التي ستعيد التاريخ إلى مساره. وأن الناس "قد غرقوا في الفتن حتى صار الحق غريباً بينهم"، ولذا لا بد من أن يتدخل الغيب لإعادة التوازن. وهنا يتحول جهيمان نفسه من داعيةٍ للاصلاح الى جزءٍ من فكرة المصلح العالمي المنتظر، حيث يذوب الفرد في الملحمة التاريخية.

أما في المشهد السياسي المعاصر، فقد صاغ خطاب الرئيس ترامب صورة القائد الذي يقف في مواجهة "أشرار العالم" ويخوض معركة استعادة روح الأمة. ولم يكن حديثة مجرد برنامجٍ سياسي، بل رواية كاملة عن عالمٍ فاسدٍ يحتاج إلى زعيمٍ ينسفه ويعيد تشكيله. وهنا تتداخل السياسة مع شعورٍ خفيٍّ بالرسالة التاريخية، وعلى حافة الخرافة هذه، يتحول ترامب من سياسيٍّ إلى قائدٍ مخلص. 

وهذه القصة لا تكتمل من دون فهم السياق الإقليمي الذي تتشكل فيه، إذ تبرز في الشرق الأوسط أيضاً رؤية سياسية ذات بعد دينيٍّ عند نتنياهو الذي تقوم عقيدته السياسية على تصور صراعٍ تاريخيٍّ طويلٍ يربط بقاء الدولة العبرية بمعركةٍ دائمةٍ مع محيطها. وربما لاحظ الجميع كيف تتكرر في خطاباته فكرة أن التاريخ اليهودي سلسلة من المواجهات، وفي هذه العقيدة يقترب نتنياهو من الخرافة حين يصور نفسه حارساً للتاريخ اليهودي بأسره، لا مجرد رئيس وزراء لكيانٍ سياسي.

لكن ثمة مفارقة عميقة تتكشف عندما نتمعن في هذه الظاهرة، فكل هؤلاء القادة يقدمون أنفسهم كحلٍّ استثنائيٍّ لأزمة العالم، غير أن خطابهم ذاته هو ما يفجر الأزمة ويغذيها، إذ هم لا يواجهون الفوضى فحسب، بل يحتاجون إليها كي يبرروا وجودهم، بمعنى أن شرعيتهم لا تقوم على الفكرة بقدر قيامها على الفوضى. 

فجهيمان لم يثُر في زمن الاستقرار، وإنما في لحظةٍ وجد فيها المجتمع الخليجي نفسه يتأرجح بين الحداثة النفطية والتقاليد الصحراوية. وترامب لم يبرز في زمن الازدهار، بل في خضمّ انهيار الطبقة الوسطى الأميركية وأزمة الهوية الثقافية. والأمر يتشابه مع نتنياهو الذي يعيد إنتاج الصراع باستمرار لأن بقاءه السياسي يعتمد على استمرار حالة الحصار الوجودي والقلق من الفناء. 

قد تختلف اللغة بين خطابٍ دينيٍ صريحٍ كما عند جهيمان، أو خطابٍ قوميٍّ تعبويٍ كما عند ترامب، أو عقيدةٍ أمنيةٍ تاريخيةٍ كما عند نتنياهو، لكن البنية النفسية العميقة تبقى متشابهة، وعمادها الإيمان بأن العالم يقف على حافة تحولٍ كبير، وأنه هو الشخص المبعوث لقيادة تلك اللحظة.

إن استمرار هذه الظاهرة يعكس أزمةً أوسع في النظم السياسية الحديثة، حيث يبحث البشر عن خلاصٍ فرديٍّ في زمنٍ يموج بالقلق والاضطراب. وبينما يقع الجمهور ضحية فكرة الخلاص الوهمي، فإن الممثلين يقفون على حافة الخرافة حين لا يدركون أنهم مجرد "ظواهر مؤذية" في حياة الشعوب وآلامهم الجماعية.

العلامات الدالة