مفارقة روحية وإعلامية

منبر 12-03-2026 | 09:18

مفارقة روحية وإعلامية

بين قدسية الصوم وثقافة العنف: أيّ وعي نزرع في أجيالنا؟في عام 2026، يتزامن الصوم عند المسلمين في شهر رمضان مع الصوم الكبير لدى المسيحيين.
مفارقة روحية وإعلامية
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

ملاك وجيه شميطلي

 

 

بين قدسية الصوم وثقافة العنف: أيّ وعي نزرع في أجيالنا؟
في عام 2026، يتزامن الصوم عند المسلمين في شهر رمضان مع الصوم الكبير لدى المسيحيين. هذا التلاقي الروحي يحمل في طيّاته رسالةً عميقة: التقرب إلى الله، تهذيب النفس، ضبط السلوك، ونشر المحبة والسلام. الصوم ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو حالة وعي داخلي، ومراجعة للنفس، وفرصة لتطهير القلب من العنف والكراهية.
لكن في المقابل، نشهد خلال هذه الفترات نفسها عرض مسلسلاتٍ وأعمالٍ دراميةٍ مليئةٍ بمشاهد العنف والقتل والعدوانية. أعمال تفتقر أحياناً إلى الرسالة الهادفة أو البعد الثقافي والتوعوي، وتتحول إلى مجرد مادةٍ استهلاكيةٍ تجذب المشاهد بالإثارة والخوف. وهنا يبرز التناقض: كيف نعيش أجواء روحيةً قائمةً على السكينة، فيما نتغذى بصرياً ونفسياً على مشاهد قاسية قد تترك آثاراً عميقة في وعينا ولاوعينا؟
تأثير العنف على الكبار والصغار
الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً، لأنهم في مرحلة تكوين الشخصية والقيم. مشاهدة مشاهد العنف قد تزرع في داخلهم الخوف، أو تجعلهم يتقبلون العدوانية كسلوكٍ طبيعيٍّ لحل النزاعات. أما الكبار، فرغم نضجهم، فهم أيضاً يتأثرون بشكلٍ غير مباشر. التكرار المستمر لمشاهد القتل والصراعات قد يؤدي إلى التبلّد العاطفي أو إلى ارتفاع مستوى التوتر الداخلي.
ولا يقتصر الأمر على المسلسلات، بل يمتد إلى الألعاب الإلكترونية العنيفة مثل PUBG التي تقوم فكرتها الأساسية على البقاء من خلال إقصاء الآخرين. صحيح أن هذه الألعاب تُصنَّف كترفيه، لكن الإفراط في استخدامها، خصوصاً لدى المراهقين، قد يعزز السلوك التنافسي العدواني، ويؤثر في طريقة التفكير والتعامل مع الخلافات.
الحروب كواقعٍ يومي
في ظل الحروب والصراعات التي تعيشها دول عربية عدة ومناطق حول العالم، لم يعد العنف مجرد مشهدٍ على الشاشة، بل أصبح واقعاً يُعاش يومياً عبر الأخبار ووسائل التواصل. هذا التعرض المستمر يولّد شحناً نفسياً داخلياً، ويغذي مشاعر الغضب أو الخوف أو الإحباط، سواء لدى الصغير أو الكبير.
عندما يعيش الإنسان في بيئةٍ يغلب عليها خطاب الحرب، ويستهلك محتوى إعلامياً قائماً على الصراع، ويقضي وقتاً طويلاً في ألعابٍ تحاكي القتال، تتكوّن تدريجاً مما يمكن تسميتها "ثقافة العنف". وهذه الثقافة تضعف مستوى الوعي والنضج الفكري، وتقلل من قدرة الفرد على التفكير النقدي قبل اتخاذ أي تصرف.
غياب الثقافة الهادفة
من أخطر نتائج هذا الواقع هو تراجع المحتوى الثقافي والتوعوي الذي يعرّف الأجيال بتاريخهم، بهويتهم، بأديانهم، وبحضارات العالم المختلفة. عندما يقلّ الاهتمام بالبرامج التعليمية والثقافية، ويزداد التركيز على الإثارة السطحية، ينشأ جيل يملك معلوماتٍ متفرقة، لكنه يفتقر إلى العمق والتحليل.
الثقافة الحقيقية لا تعني الحفظ والتلقين فحسب، بل تعني بناء إنسانٍ قادرٍ على التمييز بين الصح والخطأ، وعلى طرح الأسئلة، وعلى التفكير قبل أن يتصرف. الإنسان الواعي هو الذي يسأل نفسه: هل هذا السلوك صحيح؟ هل ينسجم مع قيمي؟ هل يقرّبني من السلام أم يبعدني عنه؟
بين الصوم والسلوك
فترات الصوم، سواء في الإسلام أو المسيحية، هي فرصة لامتصاص طاقةٍ روحيةٍ إيجابية، وإعادة ترتيب
الأولويات. لكن لا يكفي أن نصوم عن الطعام، بينما نغذّي عقولنا بمشاهد تناقض روح الصوم. المطلوب هو انسجام بين العبادة والسلوك، بين الشعائر والمحتوى الذي نستهلكه.
كلما زادت الثقافة والتوعية، قلّت احتمالية الانجراف وراء العنف. فالمعرفة توسّع الأفق، وتمنح الإنسان أدوات التفكير، وتجعله أكثر قدرةً على ضبط انفعالاته. أما الفراغ الثقافي، فيُملأ غالباً بمحتوى سريعٍ وسهل لكنه فارغ من المعنى.
أخيراً، إن مسؤولية بناء جيلٍ واعٍ لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الإعلام، وصنّاع المحتوى، والمؤسسات التربوية، وحتى الأفراد أنفسهم. نحن بحاجة إلى إعادة التوازن بين الترفيه والرسالة، بين الحرية والمسؤولية، بين المشاهدة والتفكير.
في عصرٍ تكثر فيه الحروب، يصبح نشر ثقافة السلام عملاً مقاوِماً. وفي زمن الصوم، يصبح الوعي أسمى أشكال العبادة. فإذا أردنا مستقبلاً أقل عنفاً، علينا أن نبدأ من اليوم: بمحتوى أرقى، وثقافةٍ أعمق، وإنسانٍ يفكر قبل أن يتصرف.

العلامات الدالة