"إنّي حبّة الحنطة... ذقتُ الموت كي أحيا"
الاب ايلي قنبر
1- ماذا يعطي الانسان فداءً عن نفسه؟
من المُتعارَف عليه أنّ حياة المرء هي أغلى ما لديه، يعمل المستحيل للحفاظ عليها. لا يريد أن يفقدها ولا أن تتعرّض لأيّ سوء، فتخذله. من هنا عنايته بالصحّة البدنيّة والنفسيّة والإيمانيّة عبر الرياضة والغذاء السليم، إلى العادات الحميدة والسلوك القويم البعيد من ممارسات السوء والخلاعة، والتزام المبادىء والقيَم وما يتطلّبه الإيمان منه. لكن لِمَ قال يسوع: "الذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأمَّا الذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإنَّه يَجِدُها"؟
إستيحاءً من مثَل الغنيّ الجاهل نفهم أن الاغتناء لله هو الغنى الحقّ لا التملُّك (العقارات والأراضي والمجوهرات والسيّارات والمال) ...L’Avoirوالتشبُّث بِما لدينا من "خيرات كثيرة" - نُراكمها "لسنين كثيرة" - إلى التلذُّذ بالطيّبات والاستغراق بالملذّات الجنسيّة من دون وعي أو حدودٍ كأدواتٍ، وباستعمال آخرين كسلعٍٍ أو أشياء نتلهّى بها، أو بإُساءتنا إلى المرأة والطفل(ة) من خلال التعنيف بوجوهه المتعدِّدة. ويفقد الانسان نفسه حين يستسلم للياس أو القنوط فالانتحار، أو إذا تمادى في أنَويّته ونرجسيّته فيقضي على نفسه بنفسه وعلى مَن يتّصل به. كلّ ما تقدّم يدلّ على قلق مُعشِّش في داخل الشخص: على المرارة من حياةٍ ممتلئةٍ بأشياءٍ كثيرةٍ ولكنّها فارغة من قيمتها الجوهريّة.
2- "هو (يرثي لأمراضنا لأنّه) مجرَّب في كلّ شيء مثلنا"
عبر دعوته "مَن أراد أن يتبعني"، قصد يسوع الانضمام الحرّ والعميق إليه في المسيرة في "الطريق" إلى الأب وإلى الملكوت "كما في السماء، كذلك على الأرض". على أن يكون ذلك عبر توبةٍ حقيقيّةٍ أقوم بها وسعي جدّي إلى الايمان، وبوعيٍ في إطار حركة "إبن الانسان" والالتزام الكلِّي لمجرى الحياة الذي ينبع منه. إتّباع يسوع يكون بالخروج من الجمود وحالات الأمان الخدّاعة وعن كلّ يقين لا يتغيّر، كما بالتخلّي عن أوهامنا والأدوار والأقنعة التي تراكمت عبر الزمن. ("بع كلّ شي لك... ثمّ تعال اتبعني" - لوقا 8: 18- 23) ...
يسوع بعد دعوته "مَن أراد أن يتبعني"، أضاف: "فليحمل صليبه، ويتبعني". لكلٍّ منّا صليب، ولكن كيف يحمله وإلى أين يمكن أن يصل به؟ قد يكون الصليب حِملاً ثقيلاً لا يقوى على رفعه والسَير به. وقد يكون حِملاً نأخذه على عاتقنا بلا تذمُّر كما فعل يسوع القادِرٍ على أَن يَرثِيَ لِأَمراضِنا، بَل هُوَ مُجَرَّبٌ في كُلِّ شَيءٍ مِثلَنا، ما خَلا ٱلخَطيئَة". يمكن أن نشارك يسوع، "إبن الانسان" الـ"حامل خطايا العالم"، صليبه على غرار سمعان القيروانيّ، فنتعاطف معه ونُخفِّف عنه قليلاً. لا بل هو أيضاً التزام حَمل أرزاء الثقيلي الأحمال لإراحتهم (متّى 11: 28).
إلَّا أن ما نلحظه في عالمنا المعاصر من حروب استعمارٍ يحمل علامة "الـصليب المعقوف"، أي "تدخّل يُقدَّم بصفته "تحريراً" أو "نقلًا للحضارة"، يؤدّي بالفعل إلى تفكيكٍ للبنى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للبلد المُهاجَم وإلى نهب ثرواته ومزيدٍ من القمع بأجهزةٍ جديدة".
3- "حَبَّة الحِنطَة التي تَقَعُ في الأرض"...
يسوع الداعينا إلى حمل الصليب "وديع ومتواضع القلب". هذه طريقة حضوره بين الناس. وَلِأَصل إلى التشبّه بوداعته وتواضعه، لا بدّ لي من أن أُجري تبدُّلاً في الروح والقلب بالنظرة إلى الواقع بطريقةٍ عميقة. ليس المقصود مراجعة السلوك وحسب، بل ثورة في الإحساس تصِل بنا إلى عدم احتلال كلّ المساحة، بل إفساح المجال للآخَرين فيها. هكذا نُجسِّد الإنجيل حِسِّياً، من خلال الانفتاح على الآخَر واستضافته جذريّاً. يظهر التواضع والوداعة "كأنّهما أمر مجرَّد في عصرٍ يطبعه مجدَّداً الألَم والعنف، لا بل ترَف روحيّ" كما أعلن الأب روبرتو بازوليني. كلامه التالي يُعتبر إضاءةً بمحلّها: "في الواقع، هي مسؤوليّة ملموسة، مرتبطة بمصير العالم. لا يولَد السلام من الاتّفاقات السياسيّة ولا من الاستراتيجيّات الديبلوماسيّة أو العسكريّة وحسب، بل من رجالٍ ونساءٍ يجدون الشجاعة في أن يكونوا أصاغر. هذا عمل متطلِّب ويوميّ"، شبيه بحالة حبّة الحنطة التي تُدفن في الأرض، لتعود فتُطلّ سنبلةً تحمل ثماراً كثيرة: ثلاثون وستّون ومئة ...
ونشهد محليّاً نقل الاستعمار "المجتمعات المحلية في بلادنا إلى جماعاتٍ دينيةٍ منفصلة، بعدما كان الناس يتشاركون مصالح مشتركة، وكان صعباً اختزال البنى الاجتماعية في هوياتٍ دينيةٍ صلبة"، أي مجتمعاتٍ مثمرةٍ كما حبّة القمح. وما هو أصعب وأخطر، تصريح لزعيمٍ "مسيحيٍّ" - لا قِبَل له بمراجَعة تاريخه - بأنّ حزبه "مسيرة تمتدّ لأكثر من 1500 عام" فيغدو (حزبه) "ليس أداة تمثيلٍ بل حامل رسالةٍ وجوديّة، ليس طرفاً في نظامٍ ديموقراطيّ بل وريث طبقةٍ ممتدّة". هذا ينقلنا إلى عالم الميثولوجيا ويُخرجنا من التاريخ المشترَك كمواطنين: "هذا التحول من السياسة إلى التاريخ المقدّس يبدّل طبيعة الفعل السياسي. فبدلاً من أن يكون الصراع حول البرامج أو الخيارات الاقتصادية أو نماذج الحكم، يتحول إلى صراعٍ حول الوجود والهوية. ويصبح الخصم ليس منافساً بل يصبح تهديداً تاريخياً، وتغدو التسوية تنازلاً عن الماضي". أليس الأجدى أن نتذكّر السينودس من أجل لبنان وما جاء فيه أن "لبنان رسالة"؟
نبض