"المفاتيح لا تُصنع للذكرى"
محمد سعيد حميد - اليمن
في المساء الذي انطفأت فيه القرية، لم يكن في السماء ما يدلّ على أن الغد سيأتي.
كانت الغيوم منخفضة كأنها تُصغي لأنين البيوت، والريح تمشط الطرق الخالية بحثاً عن أصواتٍ اعتادت أن تملأها.
وقفتُ عند عتبة البيت، أحدّق في الباب الخشبي الذي حفظ وجهي طفلةً، وشابّةً، وأمّاً تخبّئ خوفها في جيب المريول.
لم أحمل سوى حقيبةٍ صغيرة؛ كانت ثقيلةً رغم أنها لا تحوي إلا قميصين ومفتاحاً صدئاً أصررتُ على أن أضعه في قلبي قبل أن أضعه في الحقيبة.
وقفت أمي تبكي بصمت. كانت دموعها تنزل على يديها وهما تلفّان وشاحها الصوفي الأبيض.
أبي أصرّ على البقاء. قال: "ارحلي أنتِ وأمك. أنا سأحمي البيت".
لم يقل "سأحمي الأرض"، قال "البيت"، كأنه يعرف أن حماية الأرض تبدأ من حماية العتبة الأولى.
أنا اليوم واحدة من آلاف تركوا بيوتهم قسراً.
لم أكن أودّع جدراناً، بل أودّع عمري المعلّق على مسامير الذكريات:
رائحة القهوة التي تسبق الفجر، شجرة الليمون المتدلّية على الشباك، دفاتر المدرسة التي تركتها فوق الطاولة كأنها تنتظرني غداً.
في الطريق، ازدحمت السيارات بالبشر والأثاث والذكريات، تمضي ببطء كأنها تخجل من الفرار.
أخرج طفل في السيارة التي أمامنا رأسه من النافذة وسأل أمّه: "لماذا نبتعد عن المدرسة؟".
صمتت. لم تعرف كيف تشرح لطفلٍ في السابعة أن المدرسة قد تكون غداً في خيمة.
توقفت السيارة عند حاجزٍ ترابي. مشينا على الأقدام وسط الغبار والوجوم. جلسنا تحت شجرة زيتون وحيدة. كنا خمس عائلات لا نعرف بعضنا، لكننا صرنا عائلة واحدة.
فتحت امرأة عجوز كيساً فيه خبز، وكسرت الأرغفة على الجميع. قالت: "أولاد عمي ما بيضيعوا".
لم يفهم الصغار، لكن الكبار فهموا.
في المساء، وأنا أحاول النوم على الأرض الصلبة، تذكّرت صوت جدّتي. كانت تقول وأنا أضع رأسي على ركبتها:
"الأرض مثل الأم، مهما سافرنا نعرف طريق العودة إليها".
ثم تضحك وتضيف: "حتى لو أغمضتِ عينيكِ… رجلاكِ ستعرفان الطريق.".
حينها فقط فهمت أن التهجير لا يقتلعنا، بل يغرسنا أعمق في ترابنا.
هناك تركتُ دمي الأول حين سقطتُ عن دراجتي،
وهناك تعلّمت أن الأرض التي نمشي عليها تحفظ أسماءنا كما نحفظ أسماء أحبّتنا.
في مكان النزوح كان السرير غريباً، والجدران بلا ذاكرة. حاولتُ أن أعلّق صورةً فوق الوسادة علّها تمنحني شيئاً من البيت، لكن البيت لم يكن صورة.
كان صوت أبي حين يفتح الراديو،
وصدى أمي وهي تنادينا للعشاء،
وكان ظلّي الممتدّ عصراً على درجٍ أعرف كل شقوقه.
هذه الأرض التي تركتُها خلفي هي صوت أذان الفجر من مسجد البلدة، نشيد الصباح في مدرستي، رائحة الياسمين على شرفة عمّتي، قبور أجدادي التي تنتظر زيارتي.
سنعود إلى مدارسنا التي تنتظر ضجيج الصباح، إلى الحقول التي تعرف أسماءنا واحداً واحداً، إلى الجنوب لا زائرين… بل أبناء.
في تلك الليلة، بعدما نام الجميع، أخرجتُ المفتاح من الحقيبة.
لمعت أسنانه الصدئة تحت ضوء المصباح الخافت. مرّرتُ إصبعي عليه كما لو كنت أتحسّس ملامح بيتٍ غاب طويلًا.
أغمضتُ عينيّ، وتخيّلت الباب كما تركته، الشقّ الصغير في أعلاه، والصوت الخافت الذي كان يصدره حين يُفتح ببطء.
وضعتُ المفتاح تحت وسادتي، لا لأحفظه… بل لأتأكد أن الطريق ما زال محفوظاً.
وفي الصباح، حين سألتني ابنتي:
«ماما… رح نرجع عبيتنا؟»
لم أجبها بكلمات.
أمسكتُ يدها، وضغطتُ عليها كما كانت جدّتي تفعل، وقلتُ بهدوءٍ يشبه الوعد وأنا أقبلها:
«المفاتيح لا تُصنع للذِّكرى…
بل للأبواب.»
نبض