منبر
11-03-2026 | 09:14
كانَ وأخواتها
كان لبنانُ في السياسة منبر حريةٍ وصوت اعتدالٍ وملتقى القادة والمفكرين. كان الدستور عهداً، والبرلمان ساحة نقاش، وكانت السياسة، على ما شابها، تحمل معنى المشاركة والتوازن، لا منطق الغلبة والإقصاء.
تعبيرية
ريمي الحويّك
كان لبنانُ في السياسة منبر حريةٍ وصوت اعتدالٍ وملتقى القادة والمفكرين. كان الدستور عهداً، والبرلمان ساحة نقاش، وكانت السياسة، على ما شابها، تحمل معنى المشاركة والتوازن، لا منطق الغلبة والإقصاء.
كان لبنان في القانون مدرسة عدلٍ ومرجع فقه. تخرّج من كليّاته قضاة ومحامون حملوا هيبة النص وروح الحق. كان القانون مظلّةً للمواطن، لا سيفاً مسلّطاً عليه. كانت المحاكم منابر إنصاف، وكان اسم العدالة يُنطق باحترامٍ لا بخوف.
كان لبنان في العلم جامعةً للعقول ومختبراً للأحلام. من الجامعة الأميركية في بيروت إلى الجامعة اللبنانية، كان الحرم الجامعي مساحة تنوّعٍ وإبداع، تلتقي فيه اللغات وتتجاور الثقافات، ويولد فيه السؤال قبل الجواب. خرج منه أطباء ومهندسون وعلماء حملوا اسم وطنهم إلى أقاصي الأرض.
كان لبنانُ في الطبيعة قصيدةً خضراء. كانت جباله الشامخة في جبل لبنان تعانق السماء، وأرزُه في أرز الرب شاهداً على الخلود. كان البحر مرآةً زرقاء، والسهول بساطاً من خصب، والفصول أربع لوحاتٍ لا تشبه سواها.
كان لبنان في الفن مرآة الشرق ونافذته. من مسارح بيروت إلى مهرجانات بعلبك، كان الضوء يُسلّط على الكلمة والصوت واللحن. صدح صوت فيروز فصار صباح العرب، وغنّى وديع الصافي فارتفعت الجبال في الحناجر، ووقف الأخوان رحباني على خشبة الحلم فحوّلا القرية اللبنانية إلى أسطورةٍ تُروى.
كان لبنان في الفلسفة فكراً حرّاً لا يُؤطَّر. كان السؤال فيه مشروع حياة، وكان المثقّف ضميراً لا صدى. كُتبت المقالات والكتب، واحتدمت النقاشات في المقاهي والجامعات، وكان الرأي يُقابَل برأيٍ لا بإسكات.
كان لبنان في الموسيقى لحناً لا يخبو. من الطرب الأصيل إلى التجريب الحديث، كان الإيقاع ينبض في الشوارع والبيوت، وكانت الأغنية بطاقة هويةٍ عاطفية تحمل الحنين والتمرّد والفرح معاً.
كان لبنان في السياحة وجهةَ الحالمين. كان الزائر يبدأ نهاره على شاطئ المتوسط، ويُنهيه على ثلوج الجبال. كانت مطاعمه تضجّ بالحياة، وأسواقه تعجّ باللغات، وفنادقه تستقبل العالم بابتسامةٍ لا تنطفئ. واليوم يخشى الزائر، ويتردّد المستثمر، ويغيب الأمان عن الصورة.
كان لبنان في التربية رسالةً قبل أن يكون منهجاً، كانت المدارس تزرع القيم كما تزرع المعارف، وتعلّم الانتماء كما تعلّم الحساب. كان المعلّم صاحب رسالة، وكان الكتاب نافذةً على عالمٍ أوسع من الحدود. كان لبنان تربية أجيال، المعلّم فيه رسول معرفة، والمدرسة بيت قيم. كان الكتاب يُفتح على أملٍ لا على قلق. واليوم تضيق المدارس بقدراتها، وتضيق العائلات بهمومها، ويكبر الأطفال قبل أوانهم.
كان لبنان وطن الفكرة قبل أن يكون وطن الجغرافيا، واليوم يتنازعه التعب قبل أن تتنازعه الخرائط. كان اسمه يُذكر فتُفتح له القلوب قبل الحدود، واليوم يُذكر فتثقل في الصدور حسرة وأسئلة.
كان لبنان هيبة قانون، يُحترم فيه النصّ وتُصان فيه العدالة. كانت المحاكم عنوان ثقة، وكان القاضي ميزاناً لا يميل. واليوم، يتصدّع الإيمان بالقانون، ويخاف المواطن أن يطلب حقّه، كأنّ العدالة صارت ترفاً لا حقّاً.
كان لبنان منارة علمٍ تتوهّج في جامعاته العقول. من الجامعة الأميركية في بيروت إلى الجامعة اللبنانية، كانت القاعات تضجّ بنقاشاتٍ حيّة وأحلامٍ لا تعرف المستحيل. كان الطالب يأتيه من أقاصي الأرض، واليوم يهاجر أبناؤه بحثاً عن فرصةٍ خارج أرضه.
كان لبنان فلسفةَ انفتاح، يتجاور فيه المسجد والكنيسة، وتتصافح فيه الأعياد. كان التنوع ثراءً لا تهديداً، وكانت الهوية فسيفساءً لا ساحة صراع. واليوم يُستثمر الاختلاف ليصبح جداراً لا جسراً.
كان لبنان اقتصادَ ثقة، مصارفه عنوان استقرار، وتجّاره روّاد مغامرة، وأسواقه نابضة بالحركة. كان العمل قيمة، والمبادرة ثقافة، والازدهار نتيجة تعب. واليوم انهارت الثقة كما ينهار بيت من ورق، وتبدّدت المدّخرات، ووقف المواطن في طوابير الانتظار بدل أن يقف في طوابير الإنجاز.
كان لبنان طبابةً رائدة، مستشفياته مقصد المرضى من المنطقة، وأطباؤه سفراء علم. واليوم يعاني القطاع كما يعاني المريض، يبحث عن دعمٍ كما يبحث عن دواء.
كان لبنانُ إعلاماً حرّاً، صحفه منابر رأي، وشاشاته ساحات نقاش. واليوم يتآكل الهامش، ويُرهق الصوت الحرّ بين ضغوط السياسة والمال.
كان لبنان جيشاً واحداً وشعباً واحداً، وكان الولاء فيه للأرض قبل أي ولاء. واليوم تتنازعه ولاءات، وتتجاذبه قوىً سوداء، كأنّ الوطن ساحة صراع لا بيتاً جامعاً.
كان لبنان عزّاً سياسياً، لا لقوّة السلاح بل لقوّة الكلمة. كان الحوار فيه تقليداً، والتسويةُ فنّاً، والتوازن ضرورةً وطنية. كانت عاصمته بيروت صالوناً مفتوحاً للسياسة العربية والدولية، تُناقش فيها القضايا الكبرى، وتصاغ فيها المبادرات. واليوم، تشرذمت الطاولات، وتكسّرت الكراسي، وصار الصوت أعلى من الفكرة، والانقسام أوسع من الوطن.
لم تكن "كانَ" وحدها التي مرّت على لبنان،
بل مرّت أخواتها أيضاً…
لكن كما في النحو،
هذه الأفعال لا تلغي المبتدأ،
بل تغيّر خبره فقط.
لبنان مبتدأٌ ثابت،
تتبدّل أخباره ولا يزول.
قد يكون خبره اليوم تعباً،
وغداً يكون قيامة.
فإذا استقام الفاعل،
واعتدل الميزان،
وتصالح الحرف مع معناه،
عاد الخبر جميلاً كما كان…
وعادت "كان" ناقصةً في القواعد،
كاملةً في الوطن.
لأن لبنان ليس فعلاً ماضياً،
بل جملةً قابلةً للإعراب من جديد.
وكلّما تغيّر الخبر،
بقي المبتدأ… لبنان.
كان لبنانُ في السياسة منبر حريةٍ وصوت اعتدالٍ وملتقى القادة والمفكرين. كان الدستور عهداً، والبرلمان ساحة نقاش، وكانت السياسة، على ما شابها، تحمل معنى المشاركة والتوازن، لا منطق الغلبة والإقصاء.
كان لبنان في القانون مدرسة عدلٍ ومرجع فقه. تخرّج من كليّاته قضاة ومحامون حملوا هيبة النص وروح الحق. كان القانون مظلّةً للمواطن، لا سيفاً مسلّطاً عليه. كانت المحاكم منابر إنصاف، وكان اسم العدالة يُنطق باحترامٍ لا بخوف.
كان لبنان في العلم جامعةً للعقول ومختبراً للأحلام. من الجامعة الأميركية في بيروت إلى الجامعة اللبنانية، كان الحرم الجامعي مساحة تنوّعٍ وإبداع، تلتقي فيه اللغات وتتجاور الثقافات، ويولد فيه السؤال قبل الجواب. خرج منه أطباء ومهندسون وعلماء حملوا اسم وطنهم إلى أقاصي الأرض.
كان لبنانُ في الطبيعة قصيدةً خضراء. كانت جباله الشامخة في جبل لبنان تعانق السماء، وأرزُه في أرز الرب شاهداً على الخلود. كان البحر مرآةً زرقاء، والسهول بساطاً من خصب، والفصول أربع لوحاتٍ لا تشبه سواها.
كان لبنان في الفن مرآة الشرق ونافذته. من مسارح بيروت إلى مهرجانات بعلبك، كان الضوء يُسلّط على الكلمة والصوت واللحن. صدح صوت فيروز فصار صباح العرب، وغنّى وديع الصافي فارتفعت الجبال في الحناجر، ووقف الأخوان رحباني على خشبة الحلم فحوّلا القرية اللبنانية إلى أسطورةٍ تُروى.
كان لبنان في الفلسفة فكراً حرّاً لا يُؤطَّر. كان السؤال فيه مشروع حياة، وكان المثقّف ضميراً لا صدى. كُتبت المقالات والكتب، واحتدمت النقاشات في المقاهي والجامعات، وكان الرأي يُقابَل برأيٍ لا بإسكات.
كان لبنان في الموسيقى لحناً لا يخبو. من الطرب الأصيل إلى التجريب الحديث، كان الإيقاع ينبض في الشوارع والبيوت، وكانت الأغنية بطاقة هويةٍ عاطفية تحمل الحنين والتمرّد والفرح معاً.
كان لبنان في السياحة وجهةَ الحالمين. كان الزائر يبدأ نهاره على شاطئ المتوسط، ويُنهيه على ثلوج الجبال. كانت مطاعمه تضجّ بالحياة، وأسواقه تعجّ باللغات، وفنادقه تستقبل العالم بابتسامةٍ لا تنطفئ. واليوم يخشى الزائر، ويتردّد المستثمر، ويغيب الأمان عن الصورة.
كان لبنان في التربية رسالةً قبل أن يكون منهجاً، كانت المدارس تزرع القيم كما تزرع المعارف، وتعلّم الانتماء كما تعلّم الحساب. كان المعلّم صاحب رسالة، وكان الكتاب نافذةً على عالمٍ أوسع من الحدود. كان لبنان تربية أجيال، المعلّم فيه رسول معرفة، والمدرسة بيت قيم. كان الكتاب يُفتح على أملٍ لا على قلق. واليوم تضيق المدارس بقدراتها، وتضيق العائلات بهمومها، ويكبر الأطفال قبل أوانهم.
كان لبنان وطن الفكرة قبل أن يكون وطن الجغرافيا، واليوم يتنازعه التعب قبل أن تتنازعه الخرائط. كان اسمه يُذكر فتُفتح له القلوب قبل الحدود، واليوم يُذكر فتثقل في الصدور حسرة وأسئلة.
كان لبنان هيبة قانون، يُحترم فيه النصّ وتُصان فيه العدالة. كانت المحاكم عنوان ثقة، وكان القاضي ميزاناً لا يميل. واليوم، يتصدّع الإيمان بالقانون، ويخاف المواطن أن يطلب حقّه، كأنّ العدالة صارت ترفاً لا حقّاً.
كان لبنان منارة علمٍ تتوهّج في جامعاته العقول. من الجامعة الأميركية في بيروت إلى الجامعة اللبنانية، كانت القاعات تضجّ بنقاشاتٍ حيّة وأحلامٍ لا تعرف المستحيل. كان الطالب يأتيه من أقاصي الأرض، واليوم يهاجر أبناؤه بحثاً عن فرصةٍ خارج أرضه.
كان لبنان فلسفةَ انفتاح، يتجاور فيه المسجد والكنيسة، وتتصافح فيه الأعياد. كان التنوع ثراءً لا تهديداً، وكانت الهوية فسيفساءً لا ساحة صراع. واليوم يُستثمر الاختلاف ليصبح جداراً لا جسراً.
كان لبنان اقتصادَ ثقة، مصارفه عنوان استقرار، وتجّاره روّاد مغامرة، وأسواقه نابضة بالحركة. كان العمل قيمة، والمبادرة ثقافة، والازدهار نتيجة تعب. واليوم انهارت الثقة كما ينهار بيت من ورق، وتبدّدت المدّخرات، ووقف المواطن في طوابير الانتظار بدل أن يقف في طوابير الإنجاز.
كان لبنان طبابةً رائدة، مستشفياته مقصد المرضى من المنطقة، وأطباؤه سفراء علم. واليوم يعاني القطاع كما يعاني المريض، يبحث عن دعمٍ كما يبحث عن دواء.
كان لبنانُ إعلاماً حرّاً، صحفه منابر رأي، وشاشاته ساحات نقاش. واليوم يتآكل الهامش، ويُرهق الصوت الحرّ بين ضغوط السياسة والمال.
كان لبنان جيشاً واحداً وشعباً واحداً، وكان الولاء فيه للأرض قبل أي ولاء. واليوم تتنازعه ولاءات، وتتجاذبه قوىً سوداء، كأنّ الوطن ساحة صراع لا بيتاً جامعاً.
كان لبنان عزّاً سياسياً، لا لقوّة السلاح بل لقوّة الكلمة. كان الحوار فيه تقليداً، والتسويةُ فنّاً، والتوازن ضرورةً وطنية. كانت عاصمته بيروت صالوناً مفتوحاً للسياسة العربية والدولية، تُناقش فيها القضايا الكبرى، وتصاغ فيها المبادرات. واليوم، تشرذمت الطاولات، وتكسّرت الكراسي، وصار الصوت أعلى من الفكرة، والانقسام أوسع من الوطن.
لم تكن "كانَ" وحدها التي مرّت على لبنان،
بل مرّت أخواتها أيضاً…
لكن كما في النحو،
هذه الأفعال لا تلغي المبتدأ،
بل تغيّر خبره فقط.
لبنان مبتدأٌ ثابت،
تتبدّل أخباره ولا يزول.
قد يكون خبره اليوم تعباً،
وغداً يكون قيامة.
فإذا استقام الفاعل،
واعتدل الميزان،
وتصالح الحرف مع معناه،
عاد الخبر جميلاً كما كان…
وعادت "كان" ناقصةً في القواعد،
كاملةً في الوطن.
لأن لبنان ليس فعلاً ماضياً،
بل جملةً قابلةً للإعراب من جديد.
وكلّما تغيّر الخبر،
بقي المبتدأ… لبنان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
كتاب النهار
3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال
3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان
3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
نبض