إنه الاقتصاد، … من معركة إيران إلى حرب الهيمنة
جوزيف جروش - خريج معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po) والأكاديمية العسكرية الفرنسية سان سير (Saint-Cyr)
مؤسّس ورئيس «منتدى فرنسا–لبنان» ومحاضراً في معهد العلوم السياسية في باريس
مستشاراً للشركات الخاصة والحكومات والهيئات العامة في فرنسا والشرق الأوسط وآسيا في قضايا التحولات الاستراتيجية وتطوير الأعمال على الصعيد الدولي
ليست الحروب الكبرى مجرد تبادل للنيران بين الجيوش، بل هي صراع بين الدول على الهيمنة. لا يجوز النظر إلى الحرب الدائرة باعتبارها حملةً عسكريةً معزولة الغاية، ولا بوصفها مجرد انتقام بالنار من النار. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يسعون إلى تثبيت ميزان قوة جديد في الشرق الأوسط يحرس النظام الدولي وبنيته الاقتصادية، فيما تحاول إيران القول، بوسائل غير متناظرة، إن كلفة هذا النظام لن تبقى محتملة إذا فُرض عليها الإخضاع. هنا لا تبدو العبارة الأميركية الشهيرة «إنه الاقتصاد، يا غبي» مجرد نكتة انتخابية قديمة، بل مفتاحاً تفسيرياً للحرب.
حين تضرب قوة عظمى خصماً إقليمياً، فهي لا تستهدف فقط القيادات أو منصات الصواريخ أو البنية النووية، إنها تدافع عن صدارتها في الإقليم. فإن الخليج ومضيق هرمز في الحساب الأميركي، عنق الزجاجة لتجارة النفط والغاز، وأمنه متصل مباشرةً ببنية الهيمنة ذاتها: استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد، ودوام قدرة واشنطن على تقديم نفسها حارساً للاقتصاد العالمي.
أما إيران، فهي تعرف حدود قدرتها على خوض حرب تقليدية مفتوحة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل مجتمعتين، وتدرك أن اختلال ميزان القوى يجعل النصر العسكري متعذراً. من هنا تتقدّم عقيدةٌ أخرى: إذا تعذّر كسر الخصم في الميدان وإسقاطه عسكرياً، فليُضرَب الاقتصاد ولْتُجعل كلفة انتصاره أعلى من قدرته على الاحتمال. ليس المطلوب أن تربح إيران الحرب، بل أن تمنع خصومها من تحويل تفوقهم العسكري إلى نصرٍ قابلٍ للتسييل سياسياً.
ولذلك لم تتجه الضربات إلى الأهداف العسكرية وحدها، بل للمطارات والموانئ والبنى النفطية والفنادق، مع تعطيلٍ كبير لحركة الملاحة الجوية والسياحة والأعمال والعقد الاقتصادية واللوجستية التي تجعل من الخليج مركزاً للتجارة والطاقة والتمويل. وفي قلب هذا كلّه يقف مضيق هرمز بوصفه السلاح الاقتصادي الأشد فتكاً لأنه إذا اختنق اختنقت معه أسواق الطاقة، وارتفعت أسعار الشحن والتأمين، واضطربت الأسواق من طوكيو إلى روتردام.
إن تهديد البنية التحتية للعولمة ذاتها ليس تفصيلاً جانبياً، بل رسالة استراتيجية تقول إن العمق الاقتصادي للدول الحليفة لواشنطن لم يعد خارج المعركة، وأن الجغرافيا التي بُنيت لتكون منصّة استقرار واستثمار يمكن تحويلها، خلال أيام، إلى فضاء قلق ومخاطر.
فالردّ الإيراني لا يراهن على تدمير القوة الأميركية بقدر ما يراهن على إنهاك المنظومة التي تجعل تلك القوة نافذة. فالنفط ليس مجرد سلعة، بل مادة استقرار سياسي ومالي ونقدي لواشنطن، والممرات البحرية هي أوعية الثقة في الاقتصاد، وأسواق التأمين والشحن هي الشروط الخفية لاستمرار تدفق التجارة. وإذا تمكنت إيران من إدخال الخوف إلى هذه الدوائر، فهي تكون قد أصابت الإمبراطورية الأميركية حيث تتألم فعلاً: في كلفة الهيمنة، لا في هيبة السلاح فقط.
سقوط الإمبراطوريات لا يبدأ بالهزيمة العسكرية، بل بالعجز عن تمويل الهيمنة والمحافظة على الاستقرار الداخلي معاً. الإمبراطورية تتصدع حين تصبح كلفة الهيمنة أرفع من العائد، وحين تبدأ الأسواق في معاقبتها. لهذا السبب تبدو خشية العالم من الصدمة النفطية مفهومة، ليس لأنها سترفع سعر البرميل فحسب، بل لأنها قد تفتح باباً على تضخم عالمي، واضطراب في الغذاء والنقل، وانكماش في الثقة، وإعادة تسعير شاملة للمخاطر. وقد بدأت المؤشرات لذلك مع صعود أسعار النفط والغاز وتعاظم القلق على الإمدادات الآسيوية، والتحذيرات من أثر الحرب على تجارة الأسمدة والغذاء.
قوة هذا المنطق لا تعني أنه بلا حدود. فإيران حين تضرب الاقتصاد، تضرب شروطها هي أيضاً. ومضيق هرمز الذي يشكل ورقتها الكبرى هو كذلك شريان تتأثر به مصالحها ومصالح شركائها. ثم إن إطالة أمد الفوضى قد تدفع دول الخليج إلى تشديد اصطفافها العسكري والأمني، وتمنح واشنطن ذريعة أوسع لتوسيع تدخلها. بمعنى آخر، سلاح الاقتصاد فعّال لكنه سلاحٌ مرتدّ، وقد يحول القدرة على التعطيل إلى عجز. ولذلك فالحرب ليست معادلة نصر أو هزيمة، بل معادلة هجينة تتغير شدتها عمودياً، واستنزاف متبادل يمتد أفقياً على الأرضية العسكرية، وأيضًا الاقتصادية.
ومع ذلك، فإذا كان الهدف المعلن من الحرب هو كسر النظام الإيراني ودفعه إلى الانهيار، فإن مجرد بقاء هذا النظام سيتحوّل في الخطاب الإيراني إلى نصر سياسي. فالدول التي تعجز عن الانتصار العسكري المباشر تلجأ أحياناً إلى تعريف النصر على أنه إفشال أهداف العدو. وإذا استمرت طهران في إقناع خصومها بأن إسقاطها يتطلب ثمناً اقتصادياً واستراتيجياً لا يُحتمل، فهي تكون قد نقلت المعركة من ساحة القوة المجرّدة إلى ساحة الإرادة والقدرة على الاحتمال.
إن هذه الحرب مواجهة على من يملك حق ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي، ومن يستطيع تحويل الطاقة والممرات البحرية والأسواق إلى أدوات سيادة. الولايات المتحدة تقاتل دفاعاً عن موقعها كقوة ضامنة للنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وتكرّس عبر الدولار والطاقة والملاحة. وإيران تردّ من الثغرة الوحيدة التي تملكها: ضرب الاقتصاد وحرمان الخصم من ثمار الميدان.
وعندما يبلغ الصراع هذا المستوى، ليس السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع أن يتحمل الصدمة الاقتصادية الأطول.
نبض