هل يتحول اغتيال المرشد إلى فرصة لامتلاك النووي
محمد حسين - سوريا
في بداية الحرب على إيران استخدمت أميركا وإسرائيل نظرية الصدمة والرعب، لإحداث خلخلة داخل بنية النظام الإيراني، حيث كان الرهان على النموذج الفنزويلي قطع الرأس وظهور قيادة مستعدة لتقديم التنازلات المطلوبة، حتى هذه اللحظة كل المؤشرات تشير إلى عكس توقعات طرفي العدوان الإسرائيلي والأميركي، فانتخاب مجتبى خامنئي الذي شغل مناصب قيادية في الحرس الثوري الإيراني، فشخصية هذا الرجل غير معروفة بالنسبة للشعب الإيراني وللعالم غير(اسمه)، يفتح الطريق أمام كثير من الأسئلة لا يستطيع أحد الإجابة عنها إن كان على الصعيد الداخلي أو الخارجي، ثمة قراءتان لهذه الشخصية، إما أن تمنح الحرس الثوري كافة الصلاحيات وهذا يعني التخلص من الفتوى التي أطلقها المرشد علي خامنئي بتحريم امتلاك السلاح النووي، أو أنه سيعطي الرئيس بزكشيان صلاحيات أوسع لإدارة البلاد بعقلية الدولة لا بعقلية الثورة والذهاب إلى صفقات سياسية واقتصادية مع كل خصوم الأمس تحت شعار إيران أولاً.
بعض الدوائر الاستراتيجية في إسرائيل والولايات المتحدة اليوم تفكر بسؤال استراتيجي. هل يمكن أن يتحول اغتيال المرشد الأعلى الإيراني إلى خطأ استراتيجي بعد انتهاء الحرب إذا خرجت إيران منها وفق معادلة رابح... رابح.
طوال حكم علي خامنئي كان هذا الرجل يمثل معادلة معقدة للبرنامج النووي الإيراني. فالرجل قاد مشروع التوسع الإقليمي لإيران وأدار صراعاً طويلاً مع إسرائيل والغرب في المنطقة، هو نفسه الذي أصدر فتوى تحرّم تصنيع السلاح النووي. وفي النظام الإيراني ليست فتوى المرشد مجرد رأي ديني، بل قرار ملزم لكل صناع القرار في إيران. ولهذا بقي البرنامج النووي الإيراني، رغم تقدمه التقني، عند نقطة البرنامج السلمي.
الواقع التقني اليوم وحسب مفتشي الوكالة الذرية للطاقة النووية وحسب خبراء الطاقة النووية، الذين يؤكدون امتلاك إيران مخزوناً من اليورانيوم المخصب يصل إلى 50 كلغ يكفي وفق تقديراتهم لإنتاج نحو عشر إلى خمس عشرة قنبلة نووية، كما أن بنيتها الصناعية تسمح برفع مستوى التخصيب إلى نسبة السلاح خلال فترة تمتد من شهر إلى ثلاثة شهور، إذا اتخذ القرار السياسي بذلك. أي أن المسألة لم تعد مسألة قدرة علمية أو صناعية، بل مسألة قرار سياسي.
بعض المحللين في إسرائيل وأميركا يعتقدون أن هذه الحرب لها احتمالان لا ثالث لهما إما إنهاء النظام الإيراني بالكامل، أو المجازفة بأن تخرج إيران من هذه الحرب بقناعة جديدة تدفعها إلى تصنيع قنبلة نووية. بين هذين الاحتمالين لا يبدو أن هناك منطقة وسطى مستقرة.
وحتى لو ذهب الإيراني إلى اتفاق نووي جديد فالنموذج الكوري يبقى حاضراً، فكوريا الشمالية وقعت اتفاقاً نووياً مع الغرب ومن ثم فاجأت العالم بتجربة نووية.
ومع غياب المرشد علي خامنئي، الذي مثّل مرجعية سياسية ودينية وامتنع عن تنفيذ خيار السلاح النووي، قد يجد الحرس الثوري نفسه أمام استنتاج آخر: إن الضمانة الوحيدة لعدم تكرار هذه الحروب هي امتلاك قنبلة نووية. وهو الاستنتاج نفسه الذي قاد كوريا الشمالية إلى طريقها النووي، والذي يستحضره الإيرانيون أيضاً عند النظر إلى تجربة أوكرانيا بعد تخليها عن ترسانتها النووية ثم تعرضها للهجوم.
بهذا المعنى قد تتحول الحرب التي كان يفترض أن توقف البرنامج النووي الإيراني إلى العامل الذي يسرّع إنتاجه. أي أن النتيجة قد تكون معاكسة تماماً للهدف المعلن، إذا لم تترافق الحرب مع إسقاط النظام أو تغيير بنيته جذرياً.
ولهذا فإن الهدف الحقيقي للحرب ليس تدمير منصات صواريخ أو منشآت نووية. بل هدفها إسقاط النظام الإيراني، فإسقاط النظام لا يعني إنهاء دولة إقليمية كبرى وخصم كبير، بل يعني إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله، من الخليج العربي إلى تركيا وصولاً إلى فلسطين وما حولها وانتهاءً بممرات الطاقة والتجارة، وشبكة التحالفات الإقليمية وخطوط التجارة العالمية.
وفي خلفية هذه الحرب يبرز الصراع العالمي على الممرات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. فإيران تمثل عقدة جغرافية في شبكة الطرق التي تربط آسيا بأوروبا، سواء عبر مشاريع "طريق الحرير" الصينية أو عبر خطوط الطاقة التقليدية في المنطقة وخاصة في مضيق هرمز الذي يشكل 20 بالمئة من التجارة العالمية.
لهذا تبدو هذه الحرب في تكثيفها أكثر من مجرد مواجهة مع إيران، فالحرب إذا ما انتهت وفق معادلة رابح رابح ستترك وراءها إيران أكثر تشدداً، وأكثر اقتناعاً بأن القنبلة النووية ليست خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة وجودية. خاصة بعد رحيل صاحب الفتوى المرشد علي خامنئي.
نبض