الهدوء
ريمون مرهج
في صباح باكر رحل الحميع وبقيت وحدي في المنزل إذ كنت أشعر بوعكة صحية. جلست على الأريكة قرب شرفتي المطلة على الوادي. السكون سائد في أرجاء غرفتي يخرقه تغريد الطيور في حديقتي وفي الحقول القريبة من بيتي. بقيت صامتاً لدقائق معدودة وشعرت بلقاء كياني الضائع منذ زمن وسط ضجيج المجتمع والعمل. إحساس جميل رائع انتابني. أقفلت هاتفي كي لا يسرق مني لحظات التأمل ورميته بعيداً عني ثم عدت أنصت إلى ذاك السكون المهيب الذي أعاد إلي أيام طفولتي حيث لم يكن هناك أي أمر يبعدني عن حقيقة ذاتي، لم يكن هناك أي حاجز بيني وبين الطبيعة، لم أهجر الإنسان في أعماقي ولا الطفولة والفرح البريء الذي كان يراودني دوماً. وكأنني في مركبة الزمن أخذتني بلمحة بصر نحو الماضي، نحو أيام صباي، هناك حينما كنت فتياً يهوى الطبيعة ويعشق السماء وخالقها. هناك حينما كنت أمسك بالقلم والورق وأكتب ما يراودني من مشاعر جذابة تشرح روعة الوحي الذي يلفني بين أغصان الأشجار وظلالها وقرب هدير النهر وزقزقات العصافير وبقربي أزهار برية ملونة تفرش الأرض من حولي وكأنني في ربوع السماء. أنظر، أتأمل جمال الخضار الذي يغطي سفوح الوهاد وأرتشف من النسيم المنعش برودة طيبة تنساب في صدري وتلفني بمشاعر البهجة والسرور.
هدوء وسكون أسمع فيه صوت الله وأشعر بلمسة يده على جبيني بنعومة ووبرضى غريب ساحر يرسي الأمان والطمأنينة في فؤادي. الهدوء لحظات نغسل بها روحنا من غبار جلبة وزحمة هذا العالم والازدحام العشوائي في هذه الدنيا فنكاد ننسى أنفسنا وسبب وجودنا في هذه الأرض. حينما نلِجُ ونتأمل في لب السكون نغدو واقفين في فكرنا بين الواقع الحقيقي لوجودنا وبين الحياة التي نعيشها في مجتمعنا وثقل الهموم التي تنسينا ذاتنا فنتسابق مع الزمن علنا نصل إلى غايتنا، إلى راحة ننشدها فنجد أنفسنا بعد مرور السنين أننا ما زلنا مكاننا وأن جسدنا قد ترهل وقد اقترب أجلنا دون أن ندرك سرعة قطار العمر. في السكينة والهدوء نتنفس الصعداء ويمطر المدى علينا السلام نراجع دفتر يومياتنا ونفهم ما وصلنا إليه ونرسم بحكمة ووضوح ما سنفعله في المستقبل فنستقي الإرادة للتقدم بثبات ونستمد الأمل والإيمان من الله لننطلق من جديد.
نبض