مجتبى مرشد الحرب وبوابة وقفها؟
شفيق طاهر
إذن، استقر خيار النظام الإيراني على مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا خلفا لوالده المرشد الراحل علي خامنئي، فإن الانطباع الأول سيكون أن إيران تتجه إلى مزيد من التشدد، لا إلى التهدئة. فالتقارير تصفه بأنه وثيق الصلة بمراكز القوة الرديكالية، ولا سيما الحرس الثوري، وأن صعوده جاء في سياق حرب مفتوحة وضغط خارجي غير مسبوق.
لكن هذه القراءة، على وجاهتها، ليست الوحيدة الممكنة. فداخل منطق النظام الإيراني نفسه، قد يكون مجتبى خامنئي، هو الأقدر على اتخاذ القرار الأصعب وقف الحرب، والتفاهم مع الأميركيين، والإبقاء على النظام عبر تعديل سلوكه لا إسقاطه. ويعود ذلك إلى طبيعة موقع المرشد وآلية اشتغال السلطة في الجمهورية الإسلامية. ومن الجدير ذكره، ان اسم مجتبى غاب عن لائحة الأسماء الثلاثة التي تضمنتها وصية سرية تركها المرشد الراحل علي خامنئي، ولم يطلع عليها إلا عدد ضئيل للغاية من كبار المسؤولين الإيرانيين.
المرشد وحده يملك قرار التحول الكبير
تنبع أهمية هذا الاحتمال من أن المرشد في إيران ليس مجرد مرجعية عليا رمزية، بل هو مركز الثقل الفعلي في الدولة. فالدستور الإيراني يمنح المرشد موقعا فوق المؤسسات التنفيذية العادية، مع صلاحيات واسعة في توجيه الدولة والإشراف على القوات المسلحة والسياسات العليا. كما أن بنية المجلس الأعلى للأمن القومي تظهر بوضوح أن القرار الأمني والعسكري الإيراني لا ينفصل عن سلطة المرشد وممثليه المباشرين.
ومن هنا تأتي المفارقة، أي قرار بحجم وقف الحرب أو قبول تسوية مع واشنطن لا يمكن أن يمر داخل النظام الإيراني إلا إذا صدر من رأس الهرم نفسه. فالرئيس أو الحكومة أو حتى المؤسسات الأمنية لا تملك، منفردة، الشرعية الكافية لتمرير انعطافة بهذا الحجم، خصوصا إذا كانت تتضمن تنازلات مؤلمة أو إعادة ضبط لدور الحرس الثوري. أما إذا جاء القرار من المرشد، فإنه يتحول من تنازل إلى خيار إنقاذ للنظام.
لماذا مجتبى قادر على ذلك؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية. فمجتبى خامنئي ينظر إليه باعتباره ابن الحلقة الأكثر تشددا والأقرب إلى المؤسستين الأمنية والعسكرية. غير أن هذه الصلة نفسها قد تمنحه ما لا تملكه الشخصيات الأكثر اعتدالا القدرة على إلزام المعسكر المتشدد بقبول تسوية مؤلمة.

فاذا أتى التراجع من شخصية تحسب على التيار البراغماتي أو الإصلاحي، يسهل على الحرس الثوري والتيار المحافظ اتهامه بالضعف أو التفريط. أما حين يصدر من رجل من داخل البيت الصلب للنظام وولي دم المرشد السابق، ومن صلب المؤسسة التي تتمتع بصلات وثيقة بمراكز القوة، فإنه يمكن تسويقه على أنه إعادة تموضع ضرورية لحماية الجمهورية الإسلامية من الاستنزاف أو الانهيار. بهذا المعنى، قد يكون مجتبى خامنئي أقدر من غيره على إعادة ربط المنظومة العسكرية بالقرار السياسي، وكبح نزعات التهور، إذا اقتنع بأن استمرار الحرب يهدد بقاء النظام نفسه.
واشنطن وتغيير السلوك بدل تغيير النظام
هذا السيناريو قد يجد صداه أيضا في واشنطن. فالتباين الذي ظهر سابقا بين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية حيال إيران كشف أن الولايات المتحدة قد تميل، في لحظات معينة، إلى استخدام الضغط العسكري لفتح باب تسوية سياسية، هدفها كبح البرنامج العسكري الإيراني وتغيير السلوك الإقليمي، لا بالضرورة إسقاط النظام. في المقابل، بدت إسرائيل أكثر ميلا إلى تعظيم الضغط ودفع المواجهة إلى نهايات أكثر جذرية.
ومن هذه الزاوية، قد يبدو صعود مجتبى خامنئي فرصة لصفقة من النوع الذي يفضله الأميركيون: يبقى النظام، لكن بشروط جديدة، يخفف اندفاعه الإقليمي، ويقبل ضوابط أشد، ويعيد ترتيب أولوياته الداخلية. بالنسبة إلى واشنطن، قد يكون هذا حلا عمليا إذا كان البديل هو حرب طويلة ومفتوحة لا أحد يضمن مآلاتها.
لماذا قد يزعج ذلك إسرائيل؟
المشكلة أن هذه الصيغة، إذا تبلورت، قد لا تكون ابدا مريحة لإسرائيل. فبالنسبة إلى نتياهو، لا يكفي أن تغير طهران سلوكها مؤقتا، الأهم هو إضعافها استراتيجيا إلى الحد الأقصى ومنعها من استعادة زمام المبادرة. لذلك فإن أي اتفاق أميركي إيراني يؤدي إلى وقف الحرب مع بقاء النظام، حتى لو كان أكثر انضباطا وأقل اندفاعا، قد ينظر إليه إسرائيليا بوصفه تسوية ناقصة، تهدئة تمنح الخصم فرصة للبقاء وإعادة التكيف، بدل حسم الصراع على نحو نهائي.
إن صعود مجتبى خامنئي لا ينبغي أن يقرأ فقط بوصفه تصعيدا تلقائيا. فقد يكون، في منطق السلطة الإيرانية، الخيار الوحيد القادر على جمع أمرين معا، حماية النظام وفرض تغيير في سلوكه. وإذا صح ذلك، فإن الرجل الذي يبدو عنوانا للتشدد قد يتحول، في لحظة الخطر الوجودي، إلى أداة وقف الحرب وفتح باب تفاهم مع الأميركيين، وهي نتيجة قد تزعج إسرائيل أكثر مما تريحها.
نبض