سوريا: كرونولوجيا حلم الحرية المفقود

منبر 09-03-2026 | 13:25

سوريا: كرونولوجيا حلم الحرية المفقود

حماية المجتمع لا تتحقق عبر تكريس سلطة غير خاضعة للرقابة، بل عبر مؤسسات دستورية تضمن مساواة الجميع أمام القانون.
سوريا: كرونولوجيا حلم الحرية المفقود
سوريون يحتفون بسقوط نظام الأسد. (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. نواف القنطار

أكدت الأزمة السورية أن التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي أدت إلى أحداث مارس/ آذار من العام 2011 كانت نتيجة لتراجع الحريات العامة واحتكار السلطة على مدى أكثر من خمسة عقود. 

ففي الوقت الذي سارت فيه البلاد في مرحلة ما بعد الاستقلال نحو تجربة دستورية وبرلمانية وتعددية حزبية، تمكنت القوى التي وصلت إلى السلطة في مطلع ستينيات القرن الماضي من تهميش تلك التجربة وأدخلت البلاد في سراديب المنظومة التي عاشها المجتمع السوري على امتداد نصف قرن من الزمن، فوراء الشعارات القومية ( أو القومجية) أعيد بناء دولة قامت - مثلها مثل عدد كبير من البلدان في تلك المرحلة - على حصر السلطة في أيدي مجموعة ضيقة سيطرت عبر الأجهزة الأمنية على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة في البلاد، ما أدى إلى إفراغ الحياة السياسية من مضمونها، وتحويل الدولة إلى جهاز للقمع والسيطرة على تفاصيل المجتع كافة، وأصبح المجال السياسي محكوماً بمنطق الولاء، وسمح بتغلغل الفساد في شرايين المجتمع ومؤسساته وبظهور شبكة مصالح بين مراكز القرار وقوى اقتصادية مستفيدة من الامتيازات والاحتكارات، بحيث اتسعت الفجوة بين شريحة - إن لم نقل طبقة - من ذوي الثراء الفاحش، وأخرى تعاني الفقر والبطالة والتهميش، ما عمّق الاحتقان في المجتمع وأغلق أفاق الإصلاح التدريجي الذي أعلنت عنه الحكومات السورية المتعاقبة.

طالبت الاحتجاجات التي اندلعت في آذار/مارس 2011 بالحرية والكرامة ومكافحة الفساد وتحسين شروط المعيشة، واتسم الحراك في بدايته بالطابع السلمي، غير أن رد فعل السلطة الأمني العنيف وسياساتها الرعناء ضد شعبها دفع قطاعات من المعارضة إلى حمل السلاح، لتدخل البلاد طور عسكرة الصراع، وتعددت الفصائل المسلحة ذات المرجعيات المختلفة، بينما انفتحت الساحة على تدخلات إقليمية ودولية.

كل ذلك أدى إلى تشويه صورة الحراك السلمي، فجرى تصويره في خطاب السلطة على أنه مؤامرة خارجية، ومواجهة ضد الإرهاب تستهدف الدولة برمتها، ما عمل على تفكك البنى الاجتماعية تحت ضغط العنف والنزوح والتهجير، وتحولت سورية إلى ساحة صراع مركّب تتداخل فيه الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، ما صعّب ( ولا يزال) إمكانية الوصول إلى حل لأزمتها المستمرة.

يكمن جوهر الأزمة في سورية بطبيعة السلطة المتماهية في الدولة التي بنيت على القهر والظلم، فالدولة في الفكر السياسي الحديث تُفهم بوصفها نتاجاً لتطور اجتماعي وتنظيماً لإدارة التناقضات داخل المجتمع عبر القانون والمؤسسات، أما شرعيتها فتقوم على تعاقد يضمن الحقوق ويحدّ من تعسف السلطة.

ومما لا شك فيه، أن إسقاط السلطة من دون تصور بديل شامل وبلورة رؤية سياسية واضحة لا يحل المشكلة ( وهذا ما انشغلت به أطراف المعارضة المختلفة) فقد وجد المجتمع السوري نفسه أمام نموذجين، الأول وهو الحل الأمني الذي يبرر قبضته بإسم " أمن الوطن" واستقراره ومكافحة الإرهاب، والثاني يطرح الدولة الدينية بوصفها بديلاً نهائياً ( علماً بأن الخلافة الإسلامية كانت اجتهاداً سياسياً في سياق محدد، وليست نصاً يفرض شكلاً واحداً للحكم، ما ينفي وجود نموذج واحد مقدس للدولة) فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة المتساوية، وفصل السلطات، والتمثيل الدوري للسلطة ( الانتخابات الديمقراطية) وسيادة القانون. أما حين يمنح الفاعل السياسي نفسه الحق في احتكار السلطة فعندئذ سوف تغلق مساحة الاختلاف ويُختزل المجتمع ضمن رؤية واحدة.

بذلك يتشابه الاستبداد العسكري والأيديولوجي في الجوهر وإن اختلفت لغة الخطاب الذي يقدمانه، فكلاهما يسعى إلى احتكار الحقيقة والشرعية، وكلاهما يضيق بالتعددية والمحاسبة (الأول يستند إلى منطق الأمن والقوة، والثاني إلى منطق التفويض الديني أو الثوري) وفي كلتا الحالتين تُهمَّش السياسة بوصفها فضاء تفاوض بين مصالح متعارضة.

أما اختزال الأزمة في بعدها الخارجي فقط فيغفل العوامل البنيوية الداخلية. فلا شك أن التدخلات الإقليمية والدولية تلعب دوراً حاسماً في إطالة أمد النزاع وتعقيده، لكن هذه التدخلات تستند إلى هشاشة العقد الاجتماعي، فلا يمكن بناء استقرار دائم من دون معالجة الأسباب المرتبطة بغياب العدالة والمشاركة والمساءلة.

إن تبرير القمع بذريعة صون البلاد والحفاظ على وحدتها لم يدخلنا إلا في معارك جديدة (سياسية وطائفية على حد سواء) فحماية المجتمع لا تتحقق عبر تكريس سلطة غير خاضعة للرقابة، بل عبر مؤسسات دستورية تضمن مساواة الجميع أمام القانون، أما التطرف فغالباً ما ينمو في بيئة يسودها الإقصاء وغياب الأفق السياسي، في حين أن المخرج يمر عبر إعادة تعريف الدولة على أسس مدنية ديمقراطية: دولة تفصل بين السلطات وتخضع للمساءلة وتكفل الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الطائفية أو الأيديولوجية، بالإضافة إلى القضاء النزيه العادل والإعلام الحر. أما فصل الدين عن إدارة الشأن العام فلا يعني إقصاءه عن المجتمع، بل حمايته من التسييس ومنع استخدامه كأداة للهيمنة على هذا المجتمع أو ذاك. 

تفتح الأزمة التي يعيشها المجتمع السوري باب السؤال حول معنى الدولة والشرعية والمواطنة، وتبرز قوى وأصوات تدعو إلى استعادة العمل السياسي وتأسيس أحزاب سياسية وبناء مؤسسات تمثيلية حقيقية، ذلك أن الدولة المدنية الديمقراطية وحدها قادرة على استيعاب التعددية وحماية الحقوق - العامة والفردية - وأن تضع أسس استقرار يقوم على الحرية والعدالة لا على الخوف والإقصاء. تلكم هي الشروط الضرورية لتحويل المأساة إلى فرصة تؤسس لمجتمع حر وشعب سعيد.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/6/2026 10:26:00 PM
ماكرون: فرنسا تعمل لمنع اتساع النزاع وتدين استهداف قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان
الخليج العربي 3/7/2026 6:30:00 AM
"الغضب الملحميّ" يحطّم الرقم التاريخيّ المسجّل باسم "السرعوف المصلّي"
المشرق-العربي 3/6/2026 10:01:00 PM
رويترز: المخابرات التركية طلبت من MI6 المساعدة في حماية الرئيس السوري أحمد الشرع… وأنقرة تنفي.
ايران 3/8/2026 12:05:00 PM
أسماء كثيرة متداولة، من هم؟