ينزحون، والذاكرة حقيبتهم

منبر 09-03-2026 | 09:29

ينزحون، والذاكرة حقيبتهم

يكفي أن تديرَ التلفزيون، وتُشاهد الدمار البشريّ الذي خلّفه البشر أنفسهم، فلقد اختصرت الشاشة صورة العالم المقيّد بحرب، يُمكن اختصارها بكلمة: العناد. ربّاه، كيف يشيخ الوطن في أقلّ من أسبوع، وكيف تظهر على وجهه التجاعيد بهذه السرعة الهائلة؟ 
ينزحون، والذاكرة حقيبتهم
نازحون في طرقات بيروت (نبيل اسماعيل)
Smaller Bigger

مارفن عجور

 

 

يكفي أن تديرَ التلفزيون، وتُشاهد الدمار البشريّ الذي خلّفه البشر أنفسهم، فلقد اختصرت الشاشة صورة العالم المقيّد بحرب، يُمكن اختصارها بكلمة: العناد. ربّاه، كيف يشيخ الوطن في أقلّ من أسبوع، وكيف تظهر على وجهه التجاعيد بهذه السرعة الهائلة؟ كيف للإنسان أن يكون أقوى من الدنيا، فيبذل كل ما في وسعه ليهزم أخيه الإنسان الذي لا يختلف عنه قدرةً، وقوّةً، وحقًّا، وواجباً؟ كيف لقلبه أن يتلذّذ بتدمير الأرواح؟ وما هذا السرّ العجيب الذي يدفعه الى أن يكون عنيداً إلى أقصى حدّ، ولا يكفّ عن جلب الخراب إلى الحياة التي كتبت اسمها بأقلام السلام والدفء؟ 
ما هذا الكره الذي يربح، في كلّ مواجهة، على المحبّة؟ ولماذا لا مكان للعدل في هذا العالم؟ فكلّ مرّة يعود فيلم النزوح بحلّةٍ جديدة، وصورةٍ مختلفة، فقط لأنّنا أردنا من هذه الحياة حصةً مخجلة من الأمان، وتمنّينا أن تكون في حوزة لبناننا نقود لا تُحصى من الأمان والآمال لشراء قصر السلام.
ينزح حاضنو السلام، والذاكرة حقيبتهم: ذاكرة التناقضات. وما الذاكرة هذه سوى طفل أولدته بلادٌ تبكي في عينها اليُسرى، وتضحك في اليُمنى.
يوضّبون أغراضهم، يملأون حقائبهم ذكرياتٍ جميلةً وأخرى بشعة. آهٍ، كم عاشت أرضهم حروباً، وكم عاشت أعراساً. زفّت شبابها عرساناً في حفل زفاف، أو عزاء. وكلّما عادوا إلى منازلهم، رحلوا عنها من جديد، وسقطوا من السماء إلى الحضيض. يُحبّونها، هي الملجأ الذي حضن مشاعرهم، وحفظ صورهم، وسهر على خوفهم، تُغنّي لهم كي تغفو أعينهم، فغفوا، وصحوا، ولم تغف قلوبهم المرتعبة، ولم تنم شرارة الحروب. يرحلون عن أرضهم عندما تُنذرهم بأن رياحاً قد تهبّ بعد قليل. وعلى الطرق المزدحمة، صراخ أمهات، وبكاء أطفال، وخيبات شبابٍ تفترش الجسور.
لقد نزحوا بالأمس، وجاءت التلفزيونات تُغطي وجعهم. لم تسع الشاشات دموعهم لأنّها تخطّت مساحة لبنان، بل مساحة العالم بأسره. وكلّ مرّة يمتلئ خزّان الأشجان الساخنة، تُفتّت أجسادهم، وتحترق من شدّة الآلام.
نزحوا، وبنزوحهم ماتت شرايين قلب لبنانهم: شريانه الجنوبي، وشريانه البيروتي.
نزحوا بلحظة، هم الذين قضوا عمرهم في دارهم. يقول لينين: "هناك عقود لا يحدث فيها شيء، وأسابيع تحدث فيها عقود". كم كان صادقاً بقوله! وكم أن كلّ كلمة نطقها تُحاكي واقع شعبنا!
هذه الحروب هي حربُ قلوبٍ، حربُ عنادٍ لا ينتهي. هي حربٌ يعيد فيها كلّ منا حساباته، وعندما يحمل حقيبته ليرحل نازحاً كان أم مهاجراً، يصحب معه ذاكرةً كُتبت بالسلم والدمّ!
يا لقدرة الحروب، تُطلق صفّارات الوداع، أقسى كلمة في القاموس البشريّ. تجري بنا إلى طرق الماضي بعدما أصبح اليوم والمستقبل، حلماً صعب المنال. وتؤكّد لنا أن كل ما عشناه في الحياة قد استقرّ في بلاد الأمس، أما اليوم والغد فنحنُ أموات على هيئة أحياء.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/6/2026 10:26:00 PM
ماكرون: فرنسا تعمل لمنع اتساع النزاع وتدين استهداف قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان
الخليج العربي 3/7/2026 6:30:00 AM
"الغضب الملحميّ" يحطّم الرقم التاريخيّ المسجّل باسم "السرعوف المصلّي"
المشرق-العربي 3/6/2026 10:01:00 PM
رويترز: المخابرات التركية طلبت من MI6 المساعدة في حماية الرئيس السوري أحمد الشرع… وأنقرة تنفي.
ايران 3/8/2026 12:05:00 PM
أسماء كثيرة متداولة، من هم؟