ثلاث شرائح ترسم المزاج اللبناني ...
داليا مزهر
فقط في لبنان، يبدو أن الزمن يعيد نفسه وهذه المرة بحرب أشدّ إيلاماً، حرب فوق وجع الحرب، تهجير فوق تهجير، غرق إقتصادي فوق غرقٍ إقتصادي، تدمير ما تبقى من حربنا الماضية، ملاحق بتهديداتٍ لأبنيةٍ وأحياءٍ فاتت العدو الغاصب، فعاد ليصبّ كل حقده تاركاً بلداتٍ من الركام وقلوباً مثقلةً بالألم .
إلا أن هذه السيناريوهات السياسية المتكررة، لا ولن تشعرنا بالتأقلم والاعتياد، حتى ولو أصبحت صورة القتل و التشريد مألوفة في تصوراتنا، وحتى وإن كانت واجهة النزوح ربما باتت معروفة بالنسبة للنازح بعد تلقي التحذيرات. فهاجس المجهول وكابوس اللاعودة هو أول ما يتبادر إلى اذهانهم، و إن عادوا هل ينتظرهم المكان؟
إنه لشعور صعب ومرير أن نشاهد اليوم فيلم الدمار والانهيار يتكرر أمامنا، فكل قذيفةٍ وصاروخٍ ومسسيرةٍ يهدّد بها العدو وتسجل وتعرض عبر المواقع الإلكترونية، تعتبر خنجراً يغرس في أرواحنا، فالهدم لا يعني سقوط جدران وأبنية فحسب، بل يعني سقوط ذكرياتٍ وأحداثٍ وقصصٍ وروائح قهوة الصباح الجنوبية، و كتمان لأصوات المفاتيح وهي تدور في أبواب منازل ربما لم تعد تفتح لأهلها كل يوم، هو تهديد إختفاء كل شرفةٍ شهدت ضحكاً وأحاديث مساء، وكل متجرٍ كان رزق لعائلاتٍ نزحتٍ، وكل مفترق طرقٍ كان شاهداً على وداعاتٍ ولقاءات .
وكالعادة يدفع اللبنانيون على اختلاف فئاتهم وأماكنهم ضريية هذا الواقع الأمني والسياسي والعسكري، يكافحون بصمتٍ وألمٍ من أجل البقاء وسط صراعاتٍ لا تتوقف، وقراراتٍ عبثيةٍ من دون مشاركة فيها .
قسمت هذه الحرب المجتمع اللبناني سياسياً وإجتماعياً بطريقةٍ حادةٍ الى ثلاثة أطرافٍ متباينة، بحسب مواقفها وأولوياتها وتداخل الانقسامات الحادة بينها :
الطرف الأول: يمثل قرارت الحكومة الرسمية في لبنان ومواقفها، وهو جهة تعتبر أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وأي قرارٍ خارج إطار الحكومة غير مشروع، وهذا الطرف منذ البداية كان ضد الحرب، يوجه إنتقادات واعتراضاتٍ وممانعاتٍ متطرفةٍ من إدخال لبنان في حربٍ مجهولة المصير والرؤية والأهداف، طرف يعيش توتراتٍ داخل البيئة السياسية والاجتماعية نفسها، قوامها عبثية خطوة الانجرارالى حربٍ مفتوحةٍ بسبب الاثمان الانسانية والاقتصادية الهائلة والباهظة التي تكبدنا كل مرة. فئة تعتبر أن مقتل القائد علي خامنئي كان الشرارة التي دفعت الحزب للتحرك، وهذه الفئة هي التي تبكي و تذرف دماً على لبنان عموماً وليس على بلدةٍ أو ضيعةٍ معينة، فئة تتألم على الاقتصاد وتتحسر على التجارة، وعلى مصالحها ومواسمها وصيامها ورمضانها وأعيادها، تسعى الى الاستقرار الذي يقضي بتسليم السلاح والعودة الى الدولة وسيداتها ومؤسساتها وقرارتها وجيشها.
أما الطرف الثاني فعلياً، فهو لم يطلع عليه فجرالإثنين في 2/3/2026 في بيته، إستفاق على واجبه بالالتزام الأخلاقي، الديني، التاريخي والعهد والإنتماء الكلي لعقيدة "حزب الله" وقراراته السياسية والأمنية والعسكرية، بما تحمله من منظومةٍ إسلاميةٍ – إيرانيةٍ، تقاوم أهداف المقاومة الغربية، وتعتقد أن المواجهة ضروريةً مهما كان الثمن. وعلى رغم فتح الحرب إلا أن المواجهة دفاعية وفرضت عليهم بهدف حماية لبنان وأرضه وشعبه والرد على الاعتداءات الاسرائيلية التي لم تتوقف يوماً. أما الاعتبارات والدوافع فمجهولة، ولعلّ أكثرها إقناعاً هو إدخال لبنان الى طاولة المفاوضات الاقليمية. طرف يؤمن بأن الأهم حتى لو إختلفت الآليات وموازين القوى، عدم الاستسلام والمقاومة، وهي الفئة التي تعتبر أن الجنوبيين قد صبروا بما فيه الكفاية على الاعتدءات المتكررة التي لم تتوقف يوماً منذ الحرب الماضية، في حين أن الدولة لم تحرك ساكناً ولم تضع حداً لكل هذه الاستهدافات، باعتبارها متواطئة مع العدو.
الطرف الثالث: فئة من المواطنين كانت مؤيدة لـ"حزب الله" وعقيدته وسياسته وقراراته، نراها اليوم متشائمة، متذمرة من داخله تائهة مع عائلاتها تواجه الموت أولاً ثم الرفض من الآخر. تتحسس تعب تكرار مسلسل الهروب من المسؤولية، ورميها في الهلاك من دون أدنى حس مسؤولية حيال عائلاتهم وأولادهم، غير جاهزين للتهجير نفسياً ومالياً. هي فئة بدأت تبحث عن معنى آخر للكرامة والعزة، فئة يؤذيها التحقق من هويتها ومدى علاقتها المباشرة بشباب الحزب، أدركت أنها تدفع ثمن الصراع بالخوف والذل والاستقرار، باعتباره يراعي فقط حساباتٍ إقليميةٍ منذ الاسناد الأول، فبدأت تعيد النظر في موقفها بعد أن أنهكها التهجير والنزوح وتكرار كابوس الحرب. حقاً، حين يطول الألم يبدأ الناس بمراجعة قناعاتهم .
ولا بد من الاشارة أن هذه الفئة يتراجع عددها، ويتغير شكلها يوم بعد يوم منذ بداية الحرب مع تخفيف حدة الوهلة والقدرة على الإحتواء ، نتيجة لأحكام واتهامات الببيئة المحيطة بالعمالة والخيانة للحزب والعهد والدين والعقيدة والأرض والجنوب ، الا لبنان وحده لا تذكر خيانته . وقد يحدث ان داخل هذه الفئة هناك من يتراجع عن مواقفه داخل مجتمع البيئة الشيعية، الا انه لا يجاهر بهذا التغيير، يكتفي بكبت هذا الإرهاق الكبير لنفسه وداخل عائلاته الصغيرة ، خوفا من الشماته من قبل الاخر وفي كل الاحوال فوجع الجنوبي او إن الضاحية او ابن لبقاع كبيروسط هذا التشتتت الفكري .
امام كل هذه الانقسامات والاختلاقات، يصبح الوعي والحكمة والتروي في وجه الفتن و الانزلاق بالفوضى هو النداء الاوحد اليوم في وجه ما تدور من صراعات، فحماية السلم الأهلي
هو مسؤولية مشتركة وعلى وجه الخصوص بين الطرف الاول والطرف الثاني أي أقسى الطرفين ، وتحديدا عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث يتحول الفيس بوك والانستاغرام مساحة للتعبير عن مواقفهم ، ووسيلة للهروب من الكبت والتهجير والحرب كسبيل متنفس للتعبير عن اليأس والضغط .
فالطرف الأول مطلوب منه ان يتصالح مع مفهوم المواطنية اكثر وفتح داره وبيته وشققه للنازح وتخفيض أسعار الايجارات والتسامح في موضوع العمولة و الدفع مسبق، وضرورة مراعاة القوانين المرعية الإجراء التي تكفل التنقل و الاقامة ضمن إطار النظام العام ، وضرورة التعامل مع ملف النازحين بروح التنسيق الكامل مع الوحدات المختصة بما يضمن احترام القانون، ويحول دون أي اجتهادات قد تفهم أنها تمييز . وتجب اللوم والعتاب و الشماته في مواقعهم واوضاعهم و ظروفهم و محاولة إحتواء غضبهم، وفي المقابل على الطرف الثاني أن يحمل في حقيبة الطوارىء اثناء هروبه أوراقه الثبوتية التي تثبت وطنيته اولا ، والتعالي عن الاستفزاز و إحترام البلدات المضيفة وعاداتها وقوانينها و مواقفها ورغبتها بانها ضد هذا التدخل في الحرب كشريك في هذا الوطن ، فالحرب على كل لبنان وليست حربهم وعلى ارضهم وحدهم . فالحفاظ على التضامن بين الناس يساعد الناس على تجاوز أعظم المحن الصعبة .
ولا بد من الحديث عن مواطنية كاملة وليست شكلية بالخضوع أولا للقانون نفسه ووضع رؤية دفاعية واضحة ، و خطة استراتيجية لمساعدة المتضررين والنازحين بمختلف إنتماءاتهم وانحداراتهم، وضرورة الابتعاد عن اللوم المحاسبة عن قرارات لم يكن لهم القرار فيها فلا تدفعوا ثمن تداعياتها مع اخوانكم اللبنانيين ،
فالانسانية لا تتجزأ ولا تساوم .
نبض