في طرابلس: شارع يضيء… لكن المدينة ما زالت تنتظر الإنقاذ
بسام صرّاف
في طرابلس، لا تحتاج إلى عدسة مكبّرة لترى التناقض الصارخ بين صورتين تعيشان في المكان نفسه: مبانٍ تتداعى بصمت ثقيل، شرفات متآكلة، تمديدات كهربائية عشوائية، وأعمدة إنارة مائلة كأنها تستند إلى ما تبقّى من ذاكرة مدينة أنهكها الإهمال. وفي المقابل، شارع يتلألأ بإصرار، كأنه يرفض الانضمام إلى سردية الانهيار. في منطقة الميناء، يبرز شارع د. يعقوب ألبان، المعروف بـ«مينو»، كاستثناء مضيء داخل مشهد حضري مرتبك، وكأن المدينة لا تزال قادرة على التنفّس.
ما جرى هناك لم يكن عملية تجميل عابرة لالتقاط الصور، بل تدخلًا مدنيًا منظّمًا قادته جمعية موج وأفق بالتعاون مع البلدية. إعادة تأهيل الطريق، طلاء الواجهات، تنظيم الأرصفة، إزالة التعديات، زراعة المساحات الخضراء، وتحسين الإنارة، كلها عناصر أعادت للشارع نبضه الاقتصادي والاجتماعي. أصحاب محال يؤكدون أن الحركة التجارية تحسّنت بعد إعادة التأهيل، وأن الإقبال المسائي ارتفع مقارنةً بالفترة السابقة. الثقة، في المدن المتعبة، هي أول استثمار، وهي المؤشر الذي يعكس جدّية أي مشروع تحرّكي حضري.
لم يكن الأمر تحسينًا بصريًا فحسب، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الناس والمكان؛ بين الاقتصاد المحلي والكرامة اليومية. عودة العائلات إلى المشي مساءً، وتنظيم أنشطة للأطفال في الفضاء المفتوح، ليست تفاصيل جانبية؛ إنها مؤشرات على استعادة الشعور بالأمان، وهو المؤشر الأهم في أي عملية إنقاذ حضري. بعض الأطفال شاركوا في رسم لوحات تعبّر عن المدينة وأحلامهم بها، فيما جلس الكبار على الأرصفة يتابعون أمسيات موسيقية صغيرة، يلتقطون لحظات حياة كانت مفقودة.
بمبادرة من جمعية موج وأفق وبالتعاون مع البلدية، تتحوّل زينة شارع «مينو» في شهر رمضان من مجرد مشهد جمالي إلى فعل مجتمعي يعيد للحيّ روحه. الأقواس الضوئية المعلّقة فوق الرؤوس والفوانيس والرايات ليست أضواء عابرة، بل جسور نور تجمع الناس حول معنى المشاركة. تنبض الأزقّة بأمسيات فنية وعروض تراثية تُحيي الذاكرة الشعبية، فيما تُفتح مساحات للأطفال للرسم والأنشطة الإبداعية، لتصبح الفرحة مسؤولية مشتركة بين الجميع، وليست احتفالًا فرديًا. في هذه الأجواء، تتعزّز قيم الصوم بوصفها مدرسة تضامن ورحمة، ويصبح الشارع مساحة لقاء، والضوء رسالة أمل تؤكد أن المدينة حين تتزيّن، إنما تتزيّن بأهلها أولًا.
الأهم أن المشروع أعاد الاعتبار إلى فكرة الحيّز العام بوصفه مساحة مشتركة لا ساحة متروكة. في مدن كثيرة، الحيّز العام ميزان العدالة الاجتماعية: إن أُهمل، تراجعت الثقة وتفككت الروابط؛ وإن اعتُني به، نما الشعور بالانتماء. في «مينو»، بدا وكأن المدينة استعادت جزءًا من ذاكرتها الحضرية، تلك التي تربط بين البحر والتجارة والحرف والعيش المشترك. الشارع لم يعد مجرد ممرّ، بل مساحة حياة يمكن أن تحتضن تنوّع السكان والتفاعلات اليومية.
المدن لا تنهار دفعة واحدة، بل بالتراكم: إهمال صغير يتبعه إهمال أكبر، إلى أن يصبح الانهيار واقعًا يوميًا لا يثير الدهشة.
لكن خلف هذا المشهد المضيء، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: لماذا أصبح المجتمع المدني خط الدفاع الأول عن السلامة العامة؟ حين تتكفّل المبادرات الأهلية بسدّ فراغ التخطيط الرسمي، فالمشكلة تتجاوز شارعًا بعينه. وفق تقديرات مهندسين محليين، فإن عددًا كبيرًا من الأبنية في الأحياء القديمة لم يخضع لمسح إنشائي دوري منذ عقود، فيما تُسجَّل بلاغات متكررة عن تشققات خطرة في مبانٍ مأهولة. غياب قاعدة بيانات علنية للمخاطر يجعل الخطر صامتًا… لكنه قائم.
«مينو» يكشف مفارقة واضحة: حين تتضافر الإرادة المدنية مع حدّ أدنى من الشراكة المؤسسية، يمكن للنتائج أن تكون سريعة وفعّالة. غير أن الاستثناء لا يصنع سياسة عامة. لا يمكن لمدينة أن تعتمد على مبادرات متفرقة بدل رؤية عمرانية متكاملة. المطلوب انتقال نوعي من إنقاذ موضعي إلى إطار تخطيطي شامل: مسح هندسي دوري، قاعدة بيانات شفافة للمخاطر، أولويات واضحة للتدعيم، وآليات مساءلة لا تخضع للمزاج السياسي.
الاقتصاد الحضري يبدأ من الشارع: من رصيف نظيف، وإضاءة آمنة، ومساحة يشعر فيها الناس بأن المدينة لهم. إنعاش شارع واحد حرّك دورة تجارية مصغّرة، وأعاد الثقة إلى مستثمرين صغار كانوا على حافة الإغلاق. تخيّلوا لو تحوّل هذا النموذج إلى برنامج أحياء متكامل يربط بين تحسين البنية التحتية ودعم المشاريع الصغيرة والسياحة المحلية، ويخلق شبكة متينة بين السكان والقطاع الخاص والبلدية. طرابلس تملك مقومات تجعلها مدينة جذب ثقافي واقتصادي، من تراثها العمراني إلى موقعها البحري، لكنها تحتاج إلى إدارة تحفظ هذه المقومات وتفعّلها.
وثمة بعد اجتماعي لا يقل أهمية: حين يشعر الناس أن مدينتهم تُصان، تتراجع الهجرة القسرية ويزداد الاستثمار في المكان. الحيّز العام المصان يعزّز الثقة المتبادلة ويخفّف التوترات. في مدينة عرفت أزمنة صعبة، يصبح الحفاظ على الفضاء المشترك فعل مصالحة يومي، فيما يشكل الضوء الذي أضاء «مينو» رمزًا على أن المدينة قادرة على ترميم ذاتها إن توفّر القرار.
ما جرى في «مينو» ليس مجرد قصة شارع أُعيد تأهيله، بل نموذج مصغّر عمّا يمكن أن تكون عليه طرابلس إذا تحوّلت المبادرات الناجحة إلى سياسات عامة. التجربة تثبت أن المجتمع المدني، وجمعية موج وأفق تحديدًا، حين يعمل بشراكة مسؤولة مع المؤسسات المحلية، قادر على كسر حلقة الإهمال وفرض نموذج مختلف في إدارة المكان، وإعادة الأمل في مستقبل أكثر أمانًا.
إن كان «مينو» قد أثبت أن الإرادة تصنع الفرق، فالتحدي الحقيقي أن يصبح هذا الفرق نظامًا لا مبادرة، وسياسةً لا استثناء. عندها فقط، لا يعود الضوء احتفالًا عابرًا… بل يصبح سياسة حياة، وخط الدفاع الأول عن المدينة وسكانها.
نبض