الجنوب تحت الضّغط: قرى على خطّ النّار تختار البقاء رغم التهديدات والتصعيد
فاتن كحيل
في القرى الممتدّة على طول الحدود الجنوبيّة مع إسرائيل، تتسارع التطورات الميدانيّة بوتيرة تضع السكان أمام معادلة صعبة: خطر أمني يومي يقابله تمسّك واضح بالبقاء.
منذ أيّام يشهد الشّريط الحدودي تصعيداً في وتيرة القصف المتبادل، ما انعكس مباشرة على حياة المدنيين في بلدات مثل بنت جبيل وعيترون ومارون الراس والناقورة، إضافة إلى مرجعيون التي تعدّ مركزاً إداريّاً حيويّاً في المنطقة، حيث تتركز مؤسسات رسميّة وخدمات أساسيّة تتأثّر مباشرة بأيّ تصعيد.
منذ مطلع آذار، تواصلت الغارات الجويّة وإطلاق الصّواريخ، ما أسفر عن أضرار في المنازل. هذا التصعيد لم يقتصر على الخسائر المباشرة، بل امتدّ ليشمل الحياة اليوميّة والجانب المعيشي، ليجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة صعبة بين الأمان والبقاء على أرضهم.
في هذا السياق، تبدو الحياة في معظم القرى الحدوديّة شبه معدومة. المدارس مقفلة بالكامل في جميع المناطق القريبة من الحدود، نتيجة المخاطر الأمنية وتعذّر ضمان سلامة الطلاب والهيئات التعليمية. الطرق الداخلية تراجع استخدامها إلى الحدّ الأدنى، وحركة الأسواق باتت محدودة جدّاً، فيما أقفلت مؤسّسات تجارية عدّة أبوابها موقتاً بسبب تراجع الحركة وصعوبة التزود بالبضائع.
الخيام تعدّ من أكثر البلدات تأثّراً، إذ غادرها معظم سكّانها خلال الأيام الأخيرة. المنازل مقفلة، والشوارع شبه فارغة. المشهد نفسه ينسحب جزئيّاً على بلدات حدوديّة أخرى شهدت نزوحاً واسعاً، حيث انتقلت عائلات إلى مناطق أكثر أماناً داخل القضاء أو إلى مدن أبعد.
في المقابل، ما زال عدد من سكان علما الشعب ورميش متمسكين بالبقاء في منازلهم رغم قرب البلدة من الخط الأزرق. الصمود هنا لا يأخذ طابعاً رمزياً بقدر ما يعكس واقعاً اجتماعيّاً واقتصادياً معقّداً. فالأراضي الزراعيّة تشكّل مصدر دخل أساسي لكثير من العائلات، وتركها لفترة طويلة يعني خسارة موسم كامل. فيما يعتمد السكان على مخزون محدود من المواد الأساسية.
في مرجعيون، مركز القضاء، الصّورة مختلفة نسبيّاً لكنّها لا تقل صعوبة. النزوح الكبير من القرى المحيطة انعكس ضغطاً إضافيّاً على الخدمات المحليّة. لا مدارس تعمل حاليّاً، وبعض الدوائر الرسمية تؤدي مهماتها بالحدّ الأدنى. الصيدليّات تواصل عملها، لكنّها تواجه صعوبة في تأمين كميّات كافية من أدوية الأمراض المزمنة، ما يفرض على المرضى البحث عن بدائل في مناطق أبعد. كذلك، يعتمد السكان في شكل شبه كامل على المولدات الخاصّة لتأمين الكهرباء، مع ما يرافق ذلك من كلفة مرتفعة وصعوبة في إيصال المحروقات بانتظام.
القطاع الصحي يعمل ضمن قدرات محدودة. التنقل بسيارات الإسعاف يتمّ بحذر في القرى القريبة من الحدود، فيما يُحال بعض المرضى على مستشفيات أخرى عندما تستدعي الحالة ذلك.
اقتصاديّاً، تشهد الأسواق المحلية حالة انكماش واضحة. الطلب يتركّز على المواد الغذائية الأساسيّة والطحين والمياه المعبأة، بينما تراجعت الحركة في بقية القطاعات. صعوبة التنقل بين القرى والطرق المتضرّرة تعرقل انتظام سلاسل الإمداد، ما يؤدي إلى تأخير في وصول بعض السلع، من دون أن يصل الأمر إلى انقطاع شامل حتّى الآن، وإن كانت الكميّات المتوافرة محدودة.
ورغم التهديدات المتكررة بإخلاء القرى القريبة من الحدود، يصرّ من بقي من الأهالي على مواصلة حياتهم اليوميّة ضمن الممكن، ولو بإيقاع بطيء وحذر. الصمود هنا لا يُترجم بخطابات عالية النبرة، بل بتفاصيل يومية بسيطة: متجر يفتح لساعات قليلة، مزارع يتفقّد أرضه سريعاً، وعائلات تفضّل البقاء في منازلها بدل النزوح المجهول. إنّه تمسّك عملي بالمكان، يعكس ارتباطاً اجتماعيّاً واقتصادياً يتجاوز الحسابات الآنية.
وفي هذا الإطار، يقول كاهن رعيّة القليعة الأب بيار الراعي: "باقون في بلدتنا ولن ننزح، فنحن مسالمون ولا نريد الحرب".
ويشدّد راعي أبرشيّة مرجعيون للروم الملكييّن الكاثوليك المطران الياس كفوري في مواقف علنيّة أخيرة على "ضرورة التمسّك بالأرض وعدم الانجرار إلى الخوف"، معتبراً أنّ الوجود في القرى "رسالة ثبات وتشبّت بالحقّ في العيش الكريم".
الجنوب اليوم يعيش حالة ترقّب دائمة. لا مؤشّرات حاسمة لاتّساع المواجهة، ولا ضمانات واضحة لعودة سريعة إلى الاستقرار الكامل. وبين القرى الخالية كحال الخيام، والبلدات التي ما زال سكّانها صامدين كعلما الشّعب، ومركز القضاء في مرجعيون الذي يحاول التكيّف مع ضغط النزوح، تتشكّل صورة منطقة تختبر قدرتها على الاستمرار في ظروف قاسية، في انتظار مسار سياسي وأمني يخفّف وطأة القلق ويعيد للحياة بعض انتظامها المفقود.
في المحصلة، لا يُقاس ما يجري في قرى الجنوب بعدد الغارات أو بحجم الأضرار فقط، بل بقدرة الناس على إعادة ترتيب حياتهم يوماً بعد يوم وسط واقع غير مستقرّ. بين بيوتٍ أقفلت وأخرى ما زالت مأهولة، وبين نزوحٍ واسع وتمسّكٍ واضح بالبقاء، تتشكّل معادلة دقيقة عنوانها الصّمود من دون ضجيج. المشهد اليوم مفتوح على احتمالات عدّة، لكن الثّابت أن هذه القرى، بما تبقّى فيها من سكّان، تواصل التمسّك بحقّها في الحياة الطبيعيّة، في انتظار لحظة هدوء تعيد للحدود معناها الجغرافي بدل أن تبقى عنواناً دائماً للقلق.
نبض