"ما رأينا قَطّ مِثل هذا الانسان"
الاب ايلي قنبر
1-الزحف وأثمانه
نحن في زمن الزحف الأسوأ من الموت، على حدّ تعبير فيكتور هوغو، لأن أعداداً لا تُحصى من البشر تخلّت عن وظيفتها الرئيسة، التفكير لصالح وظيفة الأكل فزحفت تزلّفاً وخوفاً وجُبناً. الكلمة الفصل هي للأقوى وحجّته هي الأقوى، وما على الضعفاء سوى الاستسلام والانصياع.
أميركا "تفرض تصميماً للعالم قائماً على القوة الغاشمة والتراتبية، بدلاً من القيَم"، فـ"كلمات روبيو لا تمثّل مجرد تغيير بسيط في السياسة، بل هي هجوم جذري على النظام العالمي المعياري الذي أُنشئ بعد عام 1945". نعم، "أميركا أوّلاً"، أعلنها ترامب وفهِم الكلّ أن لا شريكَ لها ولا خروج من القطيع.
نحن في زمن تخلّع فيه العالم، إذ تخلّى عن الحبّ والخَلق والإبداع في العلائق وعن التوبة والمغفرة، وانفصل عن"الحياة"، غائصاً في الشرور. الأقوى يضرب بلداناً لا تخضع لمشيئته ويحتلّ أخرى عن بُعد بواسطة العقوبات الاقتصاديّة والحصار والتجويع ومنع الدواء والمواد الأوّليّة؛ بكلمةٍ يمنع عنها الحياة، فتموت ببطء ثمّ يستولي على مواردها ويتنعّم بها "لسنين طوال".
نحن في زمنٍ يحتاج مؤمنينَ يحملونه إلى يسوع لنَيل غفران خطاياه، فيعود مُعافى. الإيمان حضور يُغيِّر كلّ شيء كما بحضور شخصٍ عزيز يتغيّر كلّ شيء.
نحِنّ إلى إنسانٍ موحَّد لا إلى شخص منقسِم على ذاته: "الشخص العامّ لا ينقسِم على نفسه: من جهة الانسان السياسيّ ومن أُخرى الانسان المسيحيّ" على حدّ تعبير البابا لاوون الرابع عشر. تحذيره يفضح سياسيُّي العالم الذين يدَّعون "المسيحيّة" من المسيحيّين المُتَصهيِنين في أميركا وبعض الغرب الأوروبي إلى أقرانهم عندنا.
نحن في زمنٍ لم تعُد فيه البشريّة العنصر المفضَّل للطبيعة وليست جنساً مقدَّساً ولا الجنس المختار كما اعتقدنا. لا بل يمكن أن تنقرض وألاّ تأبه لها الطبيعة. ولن تحزن علينا بل ستعمل على تنمية أجناسٍ أُخرى تأمل في ألاّ تتشبّه بنا فتُدمّر نفسها، يقول هْيُوبرت ريࢤز.
هل نُدرِك سوء ما جنَيناه من أفكارنا الشرّيرة؟
2-الحرب "بيزنِس"
إليكم أرقاماً تبيّن ماذا يحصل ومَن يخرّب وهل مَن يفضح ويعمل لوقف ما يقترفون من قبائح؟ 1 % يتحكّمون بالعالم ولا يتخلّون عمّا يفعلون؛ 4 % هم بيادق في أيدي الـ 1%؛ 90 % يغطّون أو يخافون؛ 5 % يعلمون ويريدون إيقاظ الـ 90 %
كانت الحرب وتبقى "بيزنِس" للـ 1 %، ولكنّها صارت أكثر تعقيداً من ذي قبل. لم تُشَنّ حربٌ يوماً وصولاً إلى سلامٍ ما. تُعلَن حروب لـ"القضاء على الإرهاب"، غير أنّ الخلفيّة ليست صافية وإلَّا لكان حلّ الاستقرار. وإن كانت الحرب لإحلال الديمُوقراطيّة لَما دامت خمسين عاماً في المناطق نفسها. هي تستمرّ لأنّ هناك مَن يستثمر فيها. أمّا الذي يدفع الفاتورة دَماً فهي شعوب العالم الثالث. حقيقة نهائيّة دامغة !
"3- لِأَنَّ كُلَّ ٱلأَشياءِ هِيَ مِن أَجلِكُم"
"إَنَّ كُلَّ ٱلأَشياءِ هِيَ مِن أَجلِكُم، حَتّى إِذا تَكاثَرَتِ ٱلنِّعمَةُ بِشُكرِ ٱلأَكثَرينَ تَفيضُ لِمَجدِ ٱلله" بحسب بولس الرسول. صحيح، فيسوع أوضح الأمر:"جئت لتكون لهم الحياة بوفرة". وإذا قبلناها شاكرين، تفيض ونكون "مجد َالله" بحسب القدّيس إيريناوُس.
في أحد الأيّام "دَخَلَ يَسوعُ كَفَرناحومَ وَسُمِعَ أَنَّهُ في بَيت. فَفي ٱلحالِ ٱجتَمَعَ خَلقٌ كَثيرٌ، بِحَيثُ لَم يَبقَ مَوضِعٌ يَسَعُ وَلا عِندَ ٱلباب. وَكانَ يُخاطِبُهُم بِٱلكَلِمَة". ما هذه الكاريزما عند يسوع! كلمته تجذب كثيرين "بِحَيثُ لَم يَبقَ مَوضِعٌ يَسَعُ وَلا عِندَ ٱلباب". رائع! لِمَ ليس كلّ واحد(ة) منّا يقتدي بيسوع هذا و"يُخاطب" الآخَرين "بالكلمة" لا بأداةٍ قاتلة؟ لا بل لِمَ لا نحذو حذو رفاق المخلّع الذين حملوا إليه رفيقهم بمنتهى الحبّ وبكلّ قوّتهم ليسير باستقلاليّة؟ هؤلاء "َإِذ لَم يَقدِروا أَن يَقتَرِبوا إِلَيهِ بِسَبَبِ ٱلجَمعِ، كَشَفوا ٱلسَّقفَ حَيثُ كان. وَبَعدَما نَقَبوهُ، دَلّوا ٱلفِراشَ ٱلَّذي كانَ ٱلمُخَلَّعُ مُضطَجِعاً عَلَيه."، ليجدوا قلباً قادراً على مبادلتهم الحبّ بكلّ قوّة.
وفي خطّ الالتزام بالآخَر على غرار يسوع "إبن الانسان"، نجد أنّه في "اللّحظات التاريخيّة الكبرى، حيث تتنحّى الكلمات الديبلوماسيّة عن مسرح الأحداث عاجزةً عن قول الحقيقة، تنبثق اصوات عن أماكن غير متوقَّعة لتُخلخل صمت العالم. من بين أضواء هوليوود ومن على السجّادات الحمراء في المهرجانات السينمائيّة، تخرج بينيلوبّي كروز لتقول كلمة حق في وجه عالم جائر، محوِّلةً شهرتها الفنّيّة إلى منبرٍ أخلاقيّ يحاول إيقاظ ضمير الانسانيّة. فهذه النجمة العالميّة لم تكتفِ بأن تكون إيقونة جمال وإبداع، بل اختارت أن تكون شاهدةً على عصرها، ناقدةً لانحداره الأخلاقيّ، وصوتاً لمَن أُسكتوا تحت رُكام المجازر في فلسطين المحتلّة". وبرهنت أنّ "الفن هو سلاح التغيير الأعظم. في لحظات التاريخ الحاسمة، من الثورة الفرنسية إلى مقاومة الدكتاتوريات، كانت الأغنية والقصيدة واللوحة هي "الحقيقة الحية" التي تفجّر الثورات وتوقظ الضمائر النائمة".
تكمن الصعوبة لدى كثيرين في أن يُحبّوا ويكونوا "حياةً بوفرةٍ" لأشباهِهم وأن تكون لديهم شجاعة المغفرة أيضاً، كما دعَانا يسوع في حال اخترنا طريق الصوم تحقيقاً لـ"حياة بوفرة" ذاتياً ولصالح الآخَرين. أليس كذلك؟
نبض