هندسة العدم: المأزق الشيعي وتهاوي "العقل الرعوي" أمام أسطورة المقاومة

منبر 05-03-2026 | 09:27

هندسة العدم: المأزق الشيعي وتهاوي "العقل الرعوي" أمام أسطورة المقاومة

منذ عام 1982، والمجتمع الشيعي في لبنان يخضع لعملية "هندسةٍ نفسية" عابرةٍ للأجيال.
هندسة العدم: المأزق الشيعي وتهاوي "العقل الرعوي" أمام أسطورة المقاومة
منذ عام 1982، والمجتمع الشيعي في لبنان يخضع لعملية "هندسةٍ نفسية" عابرةٍ للأجيال.
Smaller Bigger

أنهل قزحيا

 

 

 

منذ عام 1982، والمجتمع الشيعي في لبنان يخضع لعملية "هندسةٍ نفسية" عابرةٍ للأجيال. لم يكن الأمر مجرد استنهاضٍ سياسي، بل كان إعادة صوغ للوجدان والوعي الجماعي، بحيث استثمر "حزب الله" ببراعة في إرث "المظلومية" وعقدة "الأطراف" المهمّشة تاريخياً. اليوم، يقف هذا المجتمع أمام صدامٍ كونيّ بين "القلب" المحشو بالشعارات، و"العقل" الذي يرى الأنقاض؛ صدامٌ يفعل بوعي البشر ما يفعله الزلزال بالأرض: تشقّقات نفسية قد تؤدي بالناس إلى فقدان صوابهم.
الاستلاب الوجودي هو المسار الذي حوّل الشيعة من "محرومين" يطلبون الدولة إلى "رهائن" في مشروعٍ عابرٍ للحدود؛ حيث لم يكتفِ "حزب الله" بملء الفراغ المؤسساتي، بل قام بـ"خطف أنطولوجي" للهوية عبر تحويل القلق الوجودي من التهميش إلى "فخر حربي"، خالقاً حالةً من الاعتماد الغريزي والعقل الباطني عليه، انتهت بالمجتمع إلى عُزلةٍ عدميةٍ وصدامٍ مدمّرٍ مع الواقع.
أصبح الفرد الشيعي يعتقد -بفعل البروباغندا- أن وجوده الفيزيائي والعنفوان مرهون ببقاء "التنظيم". هذا النوع من الارتباط ليس اختياراً سياسياً، بل هو "ارتباط شرطي" يشبه علاقة الجنين بالمشيمة؛ لذا فإن نقد الحزب داخل البيئة لا يُفسر كاختلاف رأي، بل كـ "خيانة للذات" أو "انتحار للهوية".
تستند غوغائية الخطاب العبثيّ لدى "حزب الله" إلى الهلوسة الجماعية. فلسفياً، يعيش جمهور الحزب داخل ما يسمى "الواقع الفائق " (Hyper-reality)، بحيث تصبح الرموز (الراية، الخطاب، التهديد، التهويل، القائد) أهم من الحقائق المادية (البيت المهدم، النزوح، الفقر، الموت، المرض).
منذ عام 2000 الذي سُوّق كتحريرٍ كاملٍ، ظل الجنوب ساحةً مفتوحةً وصولاً إلى "النصر الإلهي" عام 2006 الذي سُحق فيه العمران، اعتمد الحزب خطاباً يحول الهزيمة المادية إلى فوزٍ ميتافيزيقي.
المأزق النفسي هنا: يضطر الموالي إلى إنكار حواسه (العين التي ترى الدمار و الجسد الذي يشعر الألم والأذن التي تسمع ضجيج الحرب) وتصديق "الكلمة" (التي تعده بالنصر الإلهي والجنة). هذا الانفصام هو أولى مراحل فقدان العقل الجماعي، بحيث يعيش المجتمع حالةً من "النكران القهري" لتجنب الانهيار العصبي الذي قد يسببه الاعتراف بأن كل تلك التضحيات كانت وقوداً لمشروعٍ إقليميٍّ لا يعنيه وأيديولوجيا عبثية.
أيضاً في الحروب المتتالية، ومنها الحرب الحالية (2024-2026)، يجد الشيعي نفسه "الضحية الأولى" والوقود الوحيد. هنا يبرز الصراع الفلسفي:
• القلب: ينبض بإيقاع "عاشوراء" و"كربلاء" والتضحية المطلقة، معتقداً أنه يحمي الوجود.
• العقل: يحلل المعطيات فيرى أن "الدرع" المزعومة صارت "مغناطيساً" للموت والدمار، وأن الدولة التي حُقّرت وهُمّشت هي الملاذ الوحيد المتبقي.
هذا التناقض يولّد حالةً من "العدمية الوجدانية". فالمجتمع الذي قيل له إنه "سيّد المنطقة" يجد نفسه اليوم يفترش الطرق، بانتظار مساعدات من دولةٍ ساهم حزبه في هدمها، و مجتمعٍ خوّنه. هذا السقوط من شاهق الأوهام إلى قاع الحقيقة المرّة يدفع كثيرين نحو حافة الجنون أو الانعزال التام.
يجب أن نواجه الحقيقة بحدةٍ ونفكّك سردية "التحرير" الذي استحال احتلالاً داخلياً. البروباغندا التي بدأت في الثمانينات انتهت بتحويل المجتمع من شريكٍ في الوطن إلى "متراسٍ" لمشروعٍ عابرٍ للحدود. الدوّامة التي يعيشها الشيعي اليوم هي إدراك (مكبوت) بأن الحزب لم يحرره من إسرائيل ليجعله مواطناً، بل "حرره" ليكون تابعاً أبدياً لآلة الحرب.
هذا المأزق يدفع المجتمع نحو "الفراغ" (The Void) ، فلا هم قادرون على التراجع لأنهم لا يملكون بديلاً منظماً، ولا هم قادرون على الاستمرار لأن التكلفة صارت تفوق طاقة البشر على الاحتمال.
في الختام، إن المجتمع الشيعي في لبنان لا يفقد عقله بسبب الحرب فحسب، بل بسبب "الخيانة الرمزية". الخيانة التي ارتكبها الخطاب الغوغائي الذي وعدهم بالجنة على الأرض، فمنحهم مقابر مزيّنة بالصور.
لقد أصبح "المقاوم" سجيناً داخل أسطورته الخاصة. وإذا لم يستعد العقل سيادته على القلب، فإن هذا المجتمع يتجه نحو انهيارٍ نفسيٍّ شاملٍ، بحيث لن يجد في نهاية الطريق سوى الصدى، وأطلال هويةٍ بُنيت على وهم "القوة" بينما هي في الحقيقة تعيش ذروة الهشاشة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه. 
ايران 3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان 3/4/2026 4:10:00 AM
 وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان
لبنان 3/4/2026 2:48:00 PM
"حزب الله" ينشر مشاهد من عمليّة استهداف قاعدة ميرون شمال فلسطين وقاعدة نفح في الجولان السوري