الكرامة قبل الرصاصة
ريمي الحويّك
ليس الخطر في العدوّ الذي نراه فقط، بل في القرار الذي يُتَّخذ حين لا يحتمل البلد مزيداً من الهزّات.
حين يكون الوطن واقفاً على أطراف أصابعه، يوازن ما تبقّى من عملته، ومن ثقته، ومن صبر ناسه، فإن أي خطوة نحو نارٍ مفتوحة لا تُسمّى مغامرة، بل مقامرة.
لبنان لم يدخل زمن الحرب من باب الفائض، دخل من باب العجز المتراكم، من اقتصادٍ يتنفّس بصعوبة، من مؤسساتٍ تتآكل ببطء، من مجتمعٍ تعب حتى من التعب. ومع ذلك، وُضع في قلب مشهدٍ أكبر من قدرته على التحمّل.
ليست المسألة شعاراتٍ ولا صوراً ولا معادلات ردع تُكتب على الشاشات، المسألة أنّ مجتمعاً كاملاً، وبيئة الحزب تحديداً، أصبح في خط النار المباشر، قرى مهدّدة، عائلات مشرّدة، ودولة لا تملك أدوات الحماية.
حين يُتخذ قرار بهذا الحجم في بلد هشّ، يصبح السؤال قاسياً، هل هذا دفاعٌ مدروس؟ أم انخراطٌ يضع الناس أمام كلفةٍ لا يملكون قدرة احتمالها؟
الدول تُشبه البيوت، لا تُدار بالعاطفة حين يتعلّق الأمر بالحرب، فالحرب ليست بياناً، ولا صورةً، ولا موقفاً عابراً، هي أخطر قرار يُمارَس باسم الجماعة، ولهذا يُفترض أن يبقى داخل مؤسساتٍ واضحة، لا داخل موازين متحرّكة.
المقاومة هي كرامة، نعم.
لكن الكرامة ليست طلقةً فقط.
الكرامة ضمان حياةٍ آمنةٍ لأطفالٍ لا يفهمون خرائط النفوذ ولا معادلات الردع، الكرامة أن يعيش المواطن بلا خوفٍ دائم، بلا حقيبة طوارئ قرب الباب، أن يعيش الناس حياتهم كأصحاب حق، لا كضيوف على مغامرات الآخرين، أن لا يتحوّل البيت إلى رصيف والوسادة إلى حجارة.
في الحروب، لا يكفي امتلاك السلاح،
يحتاج الأمر قلباً يقيس الخطر قبل الرصاصة.
أشدّ أنواع الظلم ليس في مواجهة عدوٍّ خارجي،
بل في أن يُرمى الوطن هشّاً، مرهقاً، قلقاً، باسم معركة لم يخترها.
فالوطن لا يُقاس بعدد الجبهات المفتوحة، بل بعدد الأطفال الذين ينامون مطمئنين.
الوطن ليس ساحة رسائل، ولا شعبه درعاً بشرياً لمعادلات أكبر منه ولأنظمة خارج حدوده.
الوطن… أمانٌ أولاً.
وكلّ من لا يحمي هذا الأمان، لا ينتمي إلى الوطن.
نبض