إغتال العدوان الصهيوأميركي المرشد فنفد صبرالمقاومة الاستراتيجي كي لا يكون لبنان وشعبه ضحية الثأر للمرشد
المؤرخ والكاتب السياسي د. حسن محمود قبيسي
لا جهلاً و لا تجاهلاً ولا تحاملاً ولا استخفافاً ولا تنصلاً من أي مسؤولية ولو بموقف.
واضحة الأطماع التلمودية المزعومة في سفر التكوين 15: 18-21 التي تحدد الأرض التي أعطيت لجميع أبناء إبراهيم، بما في ذلك إسماعيل وزمران ويقشان ومديان... لا حصراً لبني يعقوب. وتتسع لتشمل مساحةً كبيرة "من جدول مصر إلى نهر الفرات"، التي تضم الكيان الصهيوني والأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا والأردن والعراق، وكذلك الكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان واليمن ومعظم تركيا والأرض الواقعة شرق نهر النيل. والخرائط تلك من مخلفات معاهدة سايكس – بيكو ومقررات مؤتمر سان ريمو.
ولا نقاش في المحاولات الصهيوأميركية للسيطرة على منطقتنا وبلاد الجوار نفوذاً و استغلالاً.
ولا مقارنةً بمواقف قوىً وطنية وتقدمية ودفاعها عن القضية الفلسطينية ومقاومتها، ومشاركتها في التصدي لكل ما تعرضت له شعباً ومقاومة، ففي الجغرافيا ذاتها عاش الشعبان، وما أصاب شعب لم يسلم منه شعب آخر، فكان الصمود والتصدي والمشاركة قدراً وليس خياراً.
مسلمات ننطلق منها لقراءة ذرائعٍ وافتراءاتٍ غير مبررة، تصوّر زوراً و بهتاناً الجلاد ضحيةً والضحية جلاداً، ولترقّب تداعيات ما نشهده اليوم من اعتداء ات صهيوأميركية مجرمة، وغايتها تحقيق المنافع للحلف الصهيوأميركي، ولو ضدّ مصالح "الحلفاء" الآخرين وعلى حسابهم، وفي مقدمهم بلدان عربية تعرضت للقصف الصاروخي، كرد فعل إيراني على التسهيلات التي تؤمنها القواعد العدوانية الأميركية المفروضة قسراً في بحارٍ وأراضٍ من تلك البلاد.
العدوان الصهيوأميركي مدان ومستنكر وظالم وغاشم ووحشي ويحمل كل المواصفات السلبية بشتى المفردات، واعتداء على سيادة الدول وحريتها وحق شعوبها في تقرير مصيرها والاستفادة من خيراتها وثرواتها وقدراتها وعلومها وخبراتها، وهي هنا حق الجمهورية الإسلامية في التخصيب النووي السلمي وتطوير أسلحتها بكل أنواعها، ما دامت تحترم الشريعة الدولية بقرارتها العادلة ودفاعها عن السلم العادل والتقدم الإنساني .
لكن...
مسؤولية القرار وتداعيات الإقدام غير المحسوب
أين لبنان مما يجري؟
مقاومته الإسلامية في موقف لا تُحسد عليه.
أي عمل يتجاوز المواقف السياسية، وخصوصاً بعد "الضمانات" الأميركية للرئيس جوزف عون بتحييد لبنان إن حيّد نفسه، أي عمل عسكري ستكون له تداعيات ترواح بين حرب من العدو، ورفض رسمي واتهامات من الخصوم المحليين وعدم حماسة من المتعاطفين معها. وهو هنا لا يُعتبر حرية رأي.
بيئة المقاومة الحاضنة تتعرض يومياً للاعتداءات بين اغتيالاتٍ وتدميرٍ ومنع إعادة الإعمار، والمقاتومة في صبر استراتيجي هو موضع تفهم وتقدير وتعاطف.
المقاومة الإسلامية ليست مطلقة اليدين ولا حرة التصرف في مساندة عسكرية للجمهورية الإسلامية، مساندة أقرب ما تكون إلى عملية انتحارية "لا تسمن ولا تغني من جوع"، غيرمجدية وغير محسوبة النتائج ولا متحسبة للتداعيات؛ تورّط لبنان وتزيد في اصطفافات شعبه في "متاريس" متقابلة، وتزيد في خلافات (أطرافه السياسية) التي قد تصل إلى تفجيرات مدمرة. إندفاعها وما قالت أنه "ثأر" لاغتيال الإمام علي الخامنئي وهي المنضوية تحت عباءة ولاية الفقيه، والولي الفقيه هو المرشد الأعلى والحاكم المطلق في الجمهورية الإسلامية، ونظامها (إيران) مستهدف من العدوان الهمجي الأخير؛ واغتيالاته التي طاولت المرشد الأعلى، نائب الإمام الثاني عشر الغائب، المثل والمثال الرمز لمريديه، وصاحب الصلاحية الحصرية في أصدار التكليف الشرعي الملزم لكل مقلديه، ونادراً ما يُقلَّد سواه بين المنضوين في "حزب الله"... نتفهم ذلك من دون التسليم به.
عروبة الهوية و لبنانية الولاء
الاغتيال - كما يُستنتج - سيعطي نتائج صادمة كما حدث في التاريخ، فكل اغتيالٍ لرمز دينيّ يعزّز مكانته ويزيد من مريديه وشيعته، المسيح وتلامذته، وأربعة من الخلفاء الراشدين (بينهم الإمام الحسن بن علي) والإئمة الحسين بن علي والإمام زيد وولده يحيى ومحمد النفس الزكية، أمثلة صارخة على ذلك .
والاغتيالات في الأنظمة والمنظومات العقائدية تعزز النظام ووحدة الشعب، وهو عكس ما رمت إليه جنايات الاغتيالات الوحشية في إيران ولبنان.
نأى كثيرون عن لبنان سنوات تعرضه للنكبات. ودفع لبنان تضحياتٍ كثيرةٍ دفاعاً عن قضايا محقة.
وفي أزماته وقدراته ما يصرفه عن مساندة قضايا الحلفاء والأصدقاء والمشاركة في نضالاتهم العسكرية، وإن كانت محقة. ولنا من "صلح الحديبية" المجحف بحق المسلمين (اعترض عليه صحابة) الذي استغله الرسول محمد (ص) لتعديل موازين القوى مع قريش، ومبادرة روجرز التي عارضها مزايدون عرباً، ووظفها جمال عبد الناصر لبناء حائط الصواريخ المضادة للطيران الصهيوني.
رهاننا اليوم على حكمة الرئيس نبيه بري وعقلانيته وموضوعيته وخبرته ولبنانيته لتجنيب لبنان تداعيات أزمته الحالية، فلا يكون شعبه ضحية الثأر كما كان ضحية الأطماع الصهيوأميركية، ولا يصيب لبنان وشعبه أفدح مما نزل به طوال الاحتلال، منذ الحرب الأهلية المدوّلة، وانتقائية تطبيق دستور الطائف التسووي، إلى اغتيال رفيق الحريري وتمييع التحقيقات باغتياله، وتعطيل الحياة الدستورية بالمماطلة بالانتخابات الرئاسية، وتعليق تأليف الحكومات لتوزير محظوظين، إلى تصعيد الاحتجاجات اللبنانية 2019-2021، التي اندلعت بشعارها الشهير الذي يدعو إلى إسقاط النظام: "كلن يعني كلن". اندلعت في البداية بسبب الضرائب المخططة على البنزين والتبغ والمكالمات عبر الإنترنت على تطبيقات مثل واتساب، لكن سرعان ما توسعت لتصبح إدانة على مستوى الدولة للحكم الطائفي، بعد ركود الاقتصاد، البطالة التي بلغت 46% في 2018، والفساد المتفشي في القطاع العام، والتشريعات التي يُنظر إليها على أنها تحمي الطبقة الحاكمة من المساءلة (مثل السرية المصرفية)، وإخفاقات الحكومة في توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي.
إلى حرب الإسناد والتدمير والقتل والتهجير والتشريد ومنع إعادة الإعمار.
كفى. فمحن لبنان والفتن وأزماته واحتياجاته وكوارثه الاقتصادية تحمل الجميع على التكاتف والعمل الجدي ليعود لبنان إلى عهده الذهبي.
ولا مناص من أن نكون شعباً لا "مكونات"، بهويةٍ عربيةٍ منفتحة وولاءٍ للبنان وحده، لبنان أولاً ونقطة على السطر.
"التأريخ خُبَر وإخبار وعِبَر"... فلنتعظ و نعمل.
نبض