"تمسَحنا".. وهل تسألوننا عن إحساسنا اليوم؟!
كاتيا سعد - الإمارات
اليوم بالتحديد لم أعد أعرف جواباً لهذا السؤال: "مين لازم يعتل همّ مين؟ أهلنا بلبنان يعتلوا همنا بالخارج أم نحن نعتل همّن بلبنان؟". اليوم، لبنان ومنطقة الخليج تعانيان، ولكن الفرق شاسع: هنا، في الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص ودول الخليج بشكل عام، نحن نواجه الوضع الأمني باطمئنان، لأنّ ثمة دولة "محصّنة ومتّحدة" تحت شعار الأمن والأمان، ومصلحتها أرضها وشعبها وكل مقيم على أرضها. أما في لبنان، مع الأسف، إنّ الدولة "متصدّعة ومهترئة" منذ سنوات بنظامها السياسي المثقوب من كل جهة، ومصلحتها الخاصة تتخطّى بأشواط المصلحة العامة، فكيف سيطمئنّ شعبها قبل أيّ مقيم آخر؟
الله الحامي..
منذ أن بدأت الأحداث في منطقة الخليج، وكل من يسأل ليطمئن على أحوالي وأنا جوابي واحد: "مش حاسي بشيء.. تمساح"، لماذا؟
أولاً، لأنني لبنانية اعتدت أن لا أخاف وأن أكرّر "الله الحامي" لأنّ في لبنان دائماً الصلاة والدعوات هي وحدها التي تنجّينا، ودائماً الاتكال على أعجوبة إلهيّة لأنّ الاتّكال على "قوة الدولة" مفقود. في لبنان، الأزمات المعدودة التي عشتها، قبل غربتي، كفيلة أن تجعلني أصل لدرجة أفقد الإحساس بالخوف من أي صوت صاروخ أو قذيفة، وكل الأصوات تبدو وكأنها "فتّيشة أو fireworks". بالتأكيد للبنان مكانة خاصة في حياتي ويومياتي، ولكن هذا الوطن تكثر فيه الشعارات والاستنكارات بينما الفعل شبه معدوم كي لا أقول "معدوم" أصلاً.
ثانياً، أنا لا أشعر بالخوف لأنّ دولة الإمارات تحترم على حدّ سواء المواطن والمقيم، وأعرف سلفاً أنّ لا شيء يدعو للقلق كونها قادرة على إدارة الأزمات ولديها ق التامة للتصدّي لأي "عدوّ" أو "عدوان" أو "مُخترق" مهما كان حجمه أو حمولته، ومهما حاول أن يهدّد أمنها وأمانها. ولكن الأهمّ إنها تمتلك عقل "إنسان" وقلب "إنسانية"، وذلك يعني أنّ الإنسان هو محور الكون ومصلحته وأمنه من أولوياتها قبل أي مصلحة أخرى. هنا، يتساوى القول والفعل، بل قد يحدث أن يسبق الفعل ما يُقال لترى ما يحدث ثم تتحدّث عنه.
غدٌ غير مضمون.. فهل سنفكّر بالمستقبل؟
هذا هو أن تكون لبنانياً.. أن تصبح لديك بصمة جديدة أنك معتاد على هذه الأوضاع "المهزوزة"، أن تكون الحالة "ولعانة" والأجواء "حامية"، ومع ذلك ترتدي درع "اللبناني" وتخرج وتتابع حياتك وكأنّ شيئاً لم يكن. أن تكون لبنانياً هي skill تضيفها على سيرتك الذاتية، ومهما حدث فأنت ستصمد لأنك مُجبر وليس اختياراً. أن تكون لبنانياً هو أنّك في العقل الباطني تستيقظ فيك دائماً نخوة عيش اللحظة والاستمتاع بها.
أن تكون لبنانياً هو بالفعل أنك تطبّق المثل المحدّث: "لا تؤجّل عمل اليوم للغد... فالغد غير مضمون". غدي غير مضمون لدرجة حين سألتني أمّي "هل ستأتي في إجازة عيد الفصح؟"، قلت: "لا أدري.. ما زال باكراً!" مع العلم أنّه ليس باكراً اذا نظرت الى ضرورة تحديد اجازتيوحجز بطاقة السفر، ولكن كل شيء اليوم رهن الظروف وليس رهن الرغبة الذاتية.. وبالتأكيد حالي حال الكثيرين اليوم، بل هو حال الجميع.
وفي نهاية الأمر، السؤال البديهي الذي يُطرح: هل من شيء يستحقّ أصلاً هذه الحرب التي يبدو أنها بدأت كي لا تنتهي، التي يشنّها "طرف سياسي" بغض النظر عن دينه وجنسه ودولته وأفكاره وايديولوجيته ولونه وسوداوية نظرته وجبروت سلاحه؟ نحن.. نعم نحن الشعب ما هو ذنبنا؟ كل الرؤوس المدبّرة للحروب المدمّرة هي من اغتصبت نظرتنا إلى المستقبل، فلم نعد نؤمن إلا بعبارة "خلونا نعيش اللحظة.. بكرا مش مضمون". هؤلاء يقتلون البشر والحجر على حدٍ سواء، والأحياء منا مات لديهم شغف التخطيط للغد. ها هو الواقع يقتل الحلم، ولم نعد نستطيع التحدّث عن الغد، فكيف لنا أن نفكّر بالمستقبل؟
نبض