الدولة وإعادة إنتاج السلطة المستبدة
الدكتور نواف القنطار*
في خضم الأزمات البنيوية التي يُعانيها المجتمع المعاصر، تبرز الدولة - بمفهومها الحداثي - بوصفها مدخلاً رئيساً لإدراك أنماط السيطرة السياسية وإعادة إنتاج السلطة في المجتمعات المختلفة. فالدولة ليست مجرد جهاز تنظيمي محايد، بل بنية تاريخية تتشكل داخل التناقضات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، وتعمل على إدارتها ضمن أطر ورؤى محددة. وفي لحظات الانسداد التاريخي، لا تُقاس الأزمة بحدة الصراع الظاهر في المجتمع فحسب، بل كذلك بمدى تحوّل السلطة إلى منظومة تعيد إنتاج شروط الصراع ذاته، بحيث تصبح الدولة جزءاً من المشكلة بقدر ما يُفترض أن تكون أداة للحل.
بعبارة أخرى، فهم التحول السياسي في أي مجتمع من المجتمعات الحديثة لا يقتضي النظر إلى الدولة - السلطة بوصفها فاعلاً سياسياً فحسب، بل بكونها بنية معرفية تعمل على توصيف الواقع وحدوده الممكنة، أي أن مفهوم الدولة في المجتمعات المتأزمة يفرض تجاوز المقاربات الوصفية إلى مقاربة بنيوية ترى في السلطة نمطاً لتنظيم العلاقات الاجتماعية، في حين تكون شرعيتها شكلاً من أشكال إعادة إنتاج التوازنات القائمة.
فالدولة، إذا اتفقنا على اعتبارها تشكيلة تمثل التناقضات الاجتماعية، تنشأ تاريخياً بوصفها منظومة لإدارة التناقضات الاجتماعية التي يتعذر حلها ضمن البنية المجتمعية ذاتها، فهي تعبير عن انقسام المجتمع إلى مصالح متعارضة، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تقديم نفسها كإطار محايد. غير أن هذا الحياد المعلن يُخفي وظيفة أكثر عمقاً تتمثل في إدارة التوازن ما بين السيطرة والاستقرار. ففي المجتمعات التي تُعاني خللاً بنيوياً في توزيع السلطة والموارد الاقتصادية، تنتقل وظيفة الدولة تدريجياً من وسيط تنظيمي إلى بنية فوق مجتمعية، تنفصل عن المجتمع بقدر ما تدعي تمثيله. وهنا يتمظهر أحد أخطر تحولات السلطة: انتقالها من كونها تنظيماً للعلاقات الاجتماعية لتصبح نظاماً لإدارة الوعي الاجتماعي ذاته، بحيث يجري صوغ المفاهيم السياسية وفق منطق الاستمرارية السلطوية؛ بمعنى أن الدولة التي تفقد قدرتها على تمثيل التعدد أو التنوع الاجتماعي داخل حدودها تتحول إلى كيان قائم بذاته، تتحدد كينونته في إعادة إنتاج الأزمة التي تبرر وجود هذا الكيان.
بهذا المعنى، لا يجري الحديث عن مجرد ممارسة سياسية تقوم الدولة - السلطة أو المنظومة الحاكمة بإدارة شؤون المجتمع بطرق تمثل الرؤية الملائمة بالنسبة لها، إنما عن نمط وجودي يُعيد بناء المجتمع وفق شروط الامتثال القائم فيه. أما مسألة هيمنة السلطة التي تتخذ من القوة، بكل تجلياتها، أساساً لبناء شرعيتها في هذا المجتمع أو ذاك، فإنها لا تستمر من خلال القوة المجردة فحسب، بل كذلك من خلال قدرتها على إنتاج شرعية تضفي على السيطرة طابعاً طبيعياً إن صح التعبير. فالهيمنة السياسية ليست مجرد احتكار لأدوات الإكراه، بل كذلك في كونها منظومة متكاملة لإدارة الوعي الاجتماعي، ذلك أن أخطر أشكال السيطرة هي تلك التي تعيد تشكيل الوعي وقولبته بحيث يصبح الاستبداد والاستعباد ومظاهر الذل والامتثال للحاكم (النظام القائم، المنظومة الحاكمة) خياراً طوعياً بالنسبة إلى المحكومين (الشعب بطبقاته الكادحة). فالسلطة المستبدة القائمة تؤسس لاستمرارية وجودها عبر جعل البدائل السياسية تبدو مستحيلة أو محفوفة بالمخاطر الوجودية. ومن خلال هذه الآلية، يتحول المجتمع من فضاء للتعدد إلى بيئة للضبط المشروط، وتصبح المشاركة السياسية شكلاً من أشكال التنوع المبتذل. ومن هنا يمكن التأكيد على جدلية العلاقة ما بين السيطرة والشرعية، فكلما ضعفت شرعية السلطة، ازداد اعتمادها على أدوات القوة والإكراه، وكلما ازدادت تلك الأدوات (القوة والإكراه) بمفهومها الواسع وتعددت أشكالها، تآكلت أسس الشرعية. وبذلك (وفق هذه الدائرة المغلقة) تعيد السلطة إنتاج شروط استمرارها عبر إدارة التوتر الاجتماعي عوضاً عن إيجاد سبل حله.
من جهة أخرى، لا يمكن فهم البنية السلطوية من دون تحليل أساسها الاقتصادي. فالاختلال الاقتصادي في النظم (أو المنظومات أو المجتمعات) المغلقة ليس أمراً عرضياً، إنما تعبير مادي عن بنية سياسية تفتقر إلى أبسط قواعد التصحيح الذاتي، فحين تفقد القواعد الاقتصادية طابعها التقدمي العام، تتحول الثروة من نتاج اجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج التراتبية السياسية.
في هذا السياق، لا يعمل الاقتصاد وفق منطق الكفاءة، بل على أساس منطق القرب من مركز القرار (بحسب المقولة السائدة: الولاء لا الكفاءة)، وتتداخل المصالح السياسية والاقتصادية ما بين القوى التي تمتلك موارد المجتمع لتتحول إلى أداة للضبط السياسي والاجتماعي، وليست وسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية التي تعد الحامل الرئيس للتطور والإزدهار، وبذلك تتحول البنية الاقتصادية إلى امتداد وظيفي للبنية السياسية، ويتراجع مفهوم الصالح العام لصالح منطق الامتياز، أي منطق الولاء وليس الكفاءة، أو من يحرر يقرر... وغير ذك من المفاهيم القروسطية التي تظن السلطة أنها قادرة (بتلك المفاهيم) على حل إشكاليات الواقع الحالي بوسائل ماضوية.
إن غياب الشفافية والحوكمة عن مؤسسات الدولة واستشراء الفساد في هياكلها، لا يؤدي فقط إلى ضعف الأداء الاقتصادي، وإنما إلى تعميق تبعية المجتمع للبنية السلطوية، حيث يصبح الوصول إلى الموارد الاقتصادية والمالية مرتبطاً بدرجة الاندماج في منظومة السيطرة التي تتحكم بتفاصيل المجتمع في ظل موافقة جميع القوى السياسية والاقتصادية التي ترى في المنظومة الحاكمة استمراية لمصالحها أيضاً.
ومن النوافل القول إن في ظل البنى التسلطية، يفقد المجال العام (المجتمع) وظيفته الأصلية بوصفه فضاءً (وليس سقفاً أو هامشاً) للتداول الحر والديموقراطي للسلطة، ويتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الامتثال الاجتماعي. ولا يتم هذا التحول بالقمع المباشر فحسب، بل كذلك بإعادة تعريف مفاهيم الوطنية والاستقرار والشرعية، بطريقة تجعلها متماهية مع استمرارية السلطة.
إن إعادة تشكيل الفضاء أو البناء الاجتماعي تعني في جوهرها إعادة تعريف حدود الممكن السياسي، فحين يصبح التعبير السياسي مشروطاً بمنطق البقاء المؤسساتي، يتحول المجتمع إلى فاعل تاريخي قادر على امتلاك إرادته وإدارة شؤونه بصورة حرة وديموقراطية حقاً. وهنا يتجلى البعد المعرفي للسلطة: فهنا لا تدار موارد المجتمع فحسب، وإنما يتحول الفضاء الاجتماعي إلى مجال للإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية (بمفهومها المعاصر)، فكل بنية سلطوية مستقرة هي في جوهرها نظام لإدارة الإدراك الاجتماعي قبل أن تكون نظاماً لإدارة الموارد الاقتصادية وعملية التنمية وغيرها.
ولا يبرز التحول السياسي الحقيقي في تغيير موازين القوة فحسب، بل كذلك في تغيير المعنى الذي تُمارس هذه القوة باسمه. فالمجتمعات التي تسعى إلى تجاوز البنى السلطوية لا تواجه تحديات إعادة توزيع السلطة فحسب، بل تحديات إعادة تأسيس شرعية السلطة القائمة على قاعدة المشاركة والمساءلة وغيرها. فالانتقال من منطق السيطرة إلى منطق التنظيم العادل للتعدد الاجتماعي يتطلب إعادة بناء العلاقة ما بين الدولة والمجتمع بوصفها علاقة تعاقدية، لا علاقة وصاية. كما يتطلب استعادة المجال العام بوصفه فضاءً للمشاركة الحرة وليس مجالاً للإدارة السياسية المنغلقة، فلا يمكن أي مجتمع أن يستعيد توازنه ما لم يستعد حقه في تعريف المجال العام بوصفه فضاءً للمشاركة لا موضوعاً للضبط والهيمنة. أما شرعية أية سلطة استبدادية فتراها تتراجع تدريجياً تحت وطأة التناقضات غير المحلولة. ذلك أن مستقبل المجتمعات المتأزمة لا يتحدد بقدرتها على تغيير أنماط الحكم فحسب، بل كذلك بقدرتها على إعادة تعريف الغاية من السلطة ذاتها: أهي أداة للسيطرة أم إطار لتحقيق العدالة التاريخية؟
*باحث سوري متخصّص في شؤون السياسة والاقتصاد
نبض