القيادة كما يجب أن تكون: وعيٌ يصنع الموقف، وضميرٌ يحمي الرسالة

منبر 27-02-2026 | 11:17

القيادة كما يجب أن تكون: وعيٌ يصنع الموقف، وضميرٌ يحمي الرسالة

في الأزمنة الصعبة، لا تُقاس القيادة بعدد الأتباع ولا بعلوّ الصوت، بل بعمق البصيرة. القيادة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من قدرة الإنسان على محاسبة نفسه قبل أن يحاسب غيره، وعلى التمييز بين القرار الذي يُرضي اللحظة، والقرار الذي يخدم التاريخ.
القيادة كما يجب أن تكون: وعيٌ يصنع الموقف، وضميرٌ يحمي الرسالة
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

حيدر الأمين

 

 

في الأزمنة الصعبة، لا تُقاس القيادة بعدد الأتباع ولا بعلوّ الصوت، بل بعمق البصيرة. القيادة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من قدرة الإنسان على محاسبة نفسه قبل أن يحاسب غيره، وعلى التمييز بين القرار الذي يُرضي اللحظة، والقرار الذي يخدم التاريخ. القائد ليس من يتقدّم الصفوف فحسب، بل من يتقدّم على أهوائه. فالهوى سريع، مندفع، مغرٍ بالحلول السهلة. أما الضمير فهادئ، عميق، يسأل عن العواقب قبل المكاسب. وحين ينتصر الضمير، تُبنى المؤسسات على القيم لا على المصالح، وتصبح السلطة وسيلةً لخدمة الناس لا أداةً للهيمنة عليهم.
القيادة بين الرسالة والمصلحة
كل تجربةٍ سياسية أو اجتماعية تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى مشروعٍ، ثم تُختبر بالسلطة. وفي لحظة الاختبار هذه، يظهر الفرق بين من يحمل الرسالة ومن يحمل الموقع. لقد أسّس الإمام موسى الصدر رؤيةً للقيادة تقوم على كرامة الإنسان، ونصرة المحروم، وربط العمل العام بالأخلاق. لم يكن المشروع مجرد تنظيم سياسي، بل حالة وعي جماعي ترى في القيادة تكليفاً لا تشريفاً. وكذلك نشأت حركة "أمل" بصفتها تعبيراً عن مطلب العدالة والكرامة. غير أن أي حركةٍ أو مؤسسة مهما كانت جذورها صلبة، تبقى بحاجةٍ إلى تجديدٍ دائم في الوعي القياديّ، حتى لا تنفصل عن روحها الأولى. فالقيادة التي تنسى لماذا بدأت، تفقد قدرتها على معرفة إلى أين تتجه.
داود داود… شاهد على معنى الالتزام
حين يُذكر اسم الشهيد القائد داود داود، لا يُستحضر حدث أمني فحسب، بل تُستعاد سيرة رجل ارتبط اسمه بالانضباط والوفاء للمسؤولية. إن الألم لا يكمن في فقدان الأشخاص فحسب، بل في محاولة اختزالهم أو تهميش أثرهم. القيادة الصادقة تحفظ ذاكرة رجالها، لا لأنها تبحث عن رموزٍ، بل لأنها ترى فيهم تجسيداً للقيم التي تدّعيها. فحين يُغتال إنسان، قد يتوقف صوته؛ لكن حين يُغتال اسمه أو يُهمَّش دوره، يكون الخطر أعمق، لأنه يمسّ الذاكرة الجماعية ومعايير الوفاء. القائد داود داود يصبح شاهداً على سؤالٍ أكبر: هل نبقى أوفياء للمبادئ التي ضحّى لأجلها البعض، أم نسمح للزمن أن يخفف من حدّة المعايير ويحوّل التضحيات إلى ذكرىً عابرة؟
الوعي الذاتي… حجر الأساس
القيادة كما يجب أن تكون ترتكز على ثلاث دعائم:
وعي الذات: أن يعرف القائد نقاط قوته وضعفه، وأن يفرّق بين النقد الذي يهدم والنقد الذي يبني. الانضباط الأخلاقي: أن يكون القرار منسجماً مع القيم المعلنة، لا متناقضاً معها عند أول اختبار.
القدرة على المراجعة: فالمراجعة ليست اعترافاً بالفشل، بل دليل نضج. أزمات كثيرة لا تنشأ من نقص المعلومات، بل من غياب وضوح الجوهر.
القائد الناضج يسأل:
هل أتحرك بدافع الرسالة أم بدافع الحفاظ على الموقع؟
هل قراري يخدم الناس أم يخدم صورتي أمامهم؟
هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة، لكنها وحدها تحمي المسار من الانحراف.
القيادة مسؤولية لا امتياز
ليست القيادة لقباً، ولا درعاً تحمي صاحبها من المساءلة. إنها مسؤولية مضاعفة، لأن الخطأ فيها لا يصيب فرداً واحداً، بل جماعة بأكملها. ومن هنا، فإن أعظم ما يمكن أن يفعله القائد هو أن يبقى قابلاً للمحاسبة، مستعداً للاستماع، غير خائف من الحقيقة. التاريخ لا يخلّد من ربحوا الجولات القصيرة، بل من صانوا المبادئ في اللحظات الحرجة. والذاكرة الجماعية قد تصمت زمناً، لكنها لا تنسى.
في النهاية، القيادة التي تبدأ من الداخل - من الضمير والوعي - هي وحدها القادرة على صناعة قرار سليم، وحماية رسالة، وتكريم دمٍ لم يُسفك عبثاً. ومن يقُد نفسه بصدق، يصبح أقدر على أن يقود غيره بعدل.
القيادة أمانة… حين يكون المبدأ أغلى من الموقع
في فكر الإمام علي بن أبي طالب، لم تكن القيادة سلطة تُستثمر، بل أمانة تُحمل وموقف أخلاقي يُختبر في أصعب اللحظات. وقد قال في نهج البلاغة: "إنَّ عملَك ليس لك بطُعمة، ولكنه في عنقك أمانة". بهذه العبارة تُختصر فلسفة القيادة عنده: المنصب ليس غنيمة، بل مسؤولية ثقيلة يُسأل عنها صاحبها أمام الله والناس. القائد في ميزان الإمام علي هو من لا يساوم على الحق، ولا يخضع لضغط الرأي العام إذا انحرف عن العدل، ولا يُبدّل موقفه طلباً لرضا هذا الطرف أو ذاك. وقد رسم هذا المعنى بوضوح في عهده إلى مالك الأشتر حين قال: "ولا تكوننَّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم… فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق". فالقيادة هنا التزامٌ بالرحمة والعدل، لا تسلّط ولا انتقام. وعلى هذا الطريق سار الشهيد داود داود. لم يكن حضوره مرتبطاً بضجيج الإعلام ولا بحسابات المكاسب، بل بثبات الموقف. لم تأخذه في الله لومة لائم، لأن معيار قراره لم يكن رضا الناس، بل رضا الضمير. كان يرى في موقعه تكليفاً يحتّم عليه حماية الاستقرار وصون الكرامة، لا منصةً للظهور الشخصي. القيادة كما علّمها الإمام علي هي أن تقول "لا" حين يجب أن تُقال، ولو كنت وحدك؛ وأن تثبت على المبدأ ولو تبدّل الناس. وهي أن تعتبر المنصب وسيلةً لإقامة الحق، لا درعاً تحمي صاحبها من المحاسبة. ومن يسير على هذا النهج، لا يخشى الخسارة في حسابات الدنيا، لأنه ربح وضوح الموقف. وهكذا، حين يُستحضر اسم داود داود، لا يُستحضر موقعاً شغله، بل نهج التزمه: نهج الأمانة، والثبات، والقرار الذي لا تحكمه الأهواء. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في المنصب، بل بعمق الأثر الذي يتركه صاحبها حين يختار الحق، مهما كان الثمن.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 2/26/2026 7:18:00 PM
لبس حول "ضريبة البنزين"… مجلس شورى الدولة لم يُصدر قراراً بعد والمراجعات قيد الدرس
الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
لبنان 2/26/2026 9:35:00 AM
كتب جنبلاط: "The State of the Union. Beware the ides of March #levant"