ما بعد الحلم.. جنون الاستمرارية!
ماريبال كفوري
سمعنا كثيراً في الآونة الأخيرة عن محتويات وصنّاع محتوى يتكلمون عن أهمية السعي ومفاتيح النجاح وينشدون التميّز في الحياة العملية واليومية، فتكثر الكلمات والأحاديث وتضيق مساحة التنفيذ. من السهل الاستماع، ولكن من الصعب التطبيق. ولو كان الجميع يطبّقون الأمثال والقواعد، لكان الجميع ناجحين ولامعين. لكن السر الذي لا يتحدث عنه أحد هو قدرة الإنسان على تحمّل الفشل والمثابرة في التنفيذ.
في حياة مليئة بالصعوبات والضوضاء، تكمن القوة في الاستمرارية والمكافحة والنضال، وفي تطبيق المقاصد والقرارات التي يتخذها الإنسان بدءاً بأصغر المهمات. فالانتظام يبدأ من الخارج قبل أن ينتقل إلى الداخل وصولاً إلى القيم الإنسانية.
على سبيل المثال، عندما يقرر الإنسان الانضباط في نظام غذائي وخسارة الـ 5 كيلوغرامات التي يؤجلها من يوم إلى يوم، فإلى الأسبوع المقبل، فإن ما يؤخّره ليس عدم اتخاذ القرار، بل عدم المثابرة على التنفيذ. عند أول لحظة فشل قد يستسلم حين تصعب الدرب، وهنا تكمن النقطة الفاصلة بين الإنسان الناجح والإنسان الذي يختار الطريق الأسهل، أي الهروب.
فالحياة لا تكافئ الأذكى ولا الأجمل ولا حتى صاحب المهارات فحسب، بل تكافئ الفرد الصلب والعنيد الذي يكافح ويكمل مسيرته بعد كل فشل وتجربة غير موفّقة وخيبة ظن وانهيار عصبي أو اكتئاب. الناجح ليس شخصاً لم يفشل، بل شخص تذوّق مرارة الصعوبات واليأس والخسارة، ومع ذلك اختار الوقوف بعد كل ضربة وكل لكمة. فالألم الناتج من الفشل طريق صعب، لكنه الطريق الآمن والأكيد للوصول.
يحاول، يفشل، يتعلّم، ثم ينجح. فكل ما يعتاد عليه الإنسان، وكل ما يشاهده من محتوى، وكل ما يأكله، وكل من يعاشر، يعكس صورته في المستقبل ويكوّن هويته.
فالطموح رائع، لكنه لا يكفي من دون جنون النضال، والتطبيق المستمر، والتخطيط الواضح، وصلابة الإكمال وسط أسوأ الظروف الخارجية والتخبّطات الداخلية. فالنجاح مكافأة الأقوياء، والقوة تكمن في جنون الاستمرارية وهوس الإعادة من النقطة الصفر في كل مرة يسقط فيها.
سيحصل الإنسان على هدفه إن كانت الاستمرارية المنظمة سلاحه. الفرق الوحيد هو الوقت والوتيرة التي يصل بها، سواء استغرق الأمر سنتين أو ستّاً أو حتى ثماني سنوات، فسيصل في النهاية، شرط التحلّي بالشجاعة والاستمرارية مهما كلّفه الأمر.
الحياة ليست سهلة، لكن من أراد التميّز وتحقيق مراده عليه أن يكون أصلب منها ومن خيباتها وعراقيلها، وأن يتوقع ليس الخير والنجاح فقط، بل الفشل والتعثّر في كل خطوة، لأن لا شيء يكفل النجاح سوى طريقة ردّة فعله على الفشل أو على الموقف الذي أغرقه يوماً ما.
نبض