الطفولة تحت تأثير السياسة: من يكتب أفكار الجيل الجديد؟

منبر 26-02-2026 | 12:51

الطفولة تحت تأثير السياسة: من يكتب أفكار الجيل الجديد؟

في الماضي، كان الطفل يُسأل عمّا يريد أن يصبح عندما يكبر: طبيبًا، معلّمًا، أومهندسًا. أمّا اليوم، فأصبح يُسأل إلى أيّ طرف ينتمي، ومن يؤيّد، ومن يعارض. لم تعد السياسة عالمًا يكتشفه الإنسان مع نضجه، بل واقعًا يُزرع في وعيه منذ سنواته الأولى، قبل أن تتكوّن لديه القدرة على التفكير أو بناء رأي مستقل.
الطفولة تحت تأثير السياسة: من يكتب أفكار الجيل الجديد؟
Smaller Bigger

جودي عيسى                 

 

 

في الماضي، كان الطفل يُسأل عمّا يريد أن يصبح عندما يكبر: طبيبًا، معلّمًا، أومهندسًا. أمّا اليوم، فأصبح يُسأل إلى أيّ طرف ينتمي، ومن يؤيّد، ومن يعارض. لم تعد السياسة عالمًا يكتشفه الإنسان مع نضجه، بل واقعًا يُزرع في وعيه منذ سنواته الأولى، قبل أن تتكوّن لديه القدرة على التفكير أو بناء رأي مستقل.
لم يعد من الغريب أن نسمع طفلًا يردّد شعارات سياسية أو مواقف أيديولوجية معقّدة لا تتناسب مع عمره. فوسائل الإعلام، ومنصّات التواصل الاجتماعي، وحتى الأحاديث العائلية اليومية، أصبحت تُشكّل وعي الطفل السياسي بطريقة غير مباشرة، لكنها عميقة التأثير. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يُعبّر هؤلاء الأطفال عن قناعاتهم فعلاً، أم عن قناعات الآخرين التي وُضعت في عقولهم؟
الطفل بطبيعته يميل إلى التقليد. فهو يتبنّى لغة والديه، وعادات مجتمعه، وطريقة تفسيره للعالم. لكن الخطر يظهر عندما يتحوّل هذا التقليد الطبيعي إلى تبنٍّ أعمى لمواقف سياسية حادّة، تُقدَّم له كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش. عندها، لا يتعلّم الطفل التفكير، بل يتعلّم الانحياز.
تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة بشكل واضح، إذ إن المنصّات لا تعرض محتوى متنوّعًا أو متوازنًا، بل تميل إلى تكرار ما سبق للمستخدم مشاهدته، حتى وإن كان طفلًا. وبهذا يدخل المستخدم في ما يشبه "الدائرة الفكرية الفكرية المحدودة"، حيث تتكرر الأفكار نفسها باستمرار، فتتحول الآراء تدريجيًا إلى حقائق غير مُناقَشة، بينما يتراجع التنوّع الضروري لبناء شخصية مستقلة.
الأخطر من ذلك أن إدخال الأطفال المبكر في الصراعات السياسية قد يسرق منهم مرحلة أساسية من النمو النفسي. فالطفولة مساحة للتجربة والفضول واكتشاف الذات، لا ساحة للانقسام أو الشعور بالعداء تجاه الآخر. وعندما يُعرَّف الطفل نفسه سياسيًا قبل أن يعرف ميوله واهتماماته الإنسانية، يصبح انتماؤه السياسي جزءًا من هويته قبل أن تتشكّل هذه الهوية أصلًا.
ومن تجربتي الشخصية، يمكنني القول إنني في طفولتي تعرضت لنفس التأثيرات، فقد كبرت في بيئة كان للآراء السياسية حضور واضح منذ الصغر. مع مرور الوقت، تمكنت من تطوير فكري الخاص، بعيدًا عن أي تأثير مفروض، واختيار ما أؤمن به بناءً على تجربتي وفهمي الشخصي، وليس فقط على ما ورثته أو تعلمته من الآخرين.
هذا لا يعني ضرورة عزل الأطفال عن الواقع أو منعهم من فهم ما يحدث حولهم. على العكس، الوعي السياسي مهم، لكن الفرق كبير بين التوعية والفرض الفكري. التوعية تعلّم الطفل كيف يسأل، أما الفرض الفكري فيخبره ماذا يجيب.
إن بناء جيل قادر على التفكير الحر لا يبدأ بإعطائه الآراء، بل بتعليمه كيفية تكوينها. يحتاج الأطفال إلى مساحة آمنة للنقاش، وإلى مدارس تشجّع الحوار بدل الانحياز، وإلى إعلام يقدّم المعرفة بدل الانقسام.
في النهاية، الخطر الحقيقي ليس في أن يهتم الأطفال بالسياسة، بل في أن يفقدوا فرصة اختيار مواقفهم بأنفسهم. فالمجتمع الذي يربّي أبناءه على تكرار الأفكار بدل مناقشتها، لا يصنع مواطنين أحرارًا، بل نسخًا متشابهة تخشى الاختلاف.
ربما حان الوقت لنسأل سؤالًا مختلفًا: بدل أن نعلّم أطفالنا ماذا يفكّرون، هل نعلّمهم كيف يفكّرون؟

               
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته