لبنان بين إعادة تدوير الوجوه واستحقاق التجديد : هل تنضج الأحزاب قبل فوات الأوان؟

منبر 26-02-2026 | 12:28

لبنان بين إعادة تدوير الوجوه واستحقاق التجديد : هل تنضج الأحزاب قبل فوات الأوان؟

في بلدٍ تتراكم فيه الأزمات فوق بعضها — من الانهيار المالي إلى تآكل مؤسسات الدولة — يصبح السؤال عن تجديد النخب السياسية أكثر من ترفٍ فكري.
لبنان بين إعادة تدوير الوجوه واستحقاق التجديد : هل تنضج الأحزاب قبل فوات الأوان؟
انتخابات 2026
Smaller Bigger
د.علي حمود 

في بلدٍ تتراكم فيه الأزمات فوق بعضها — من الانهيار المالي إلى تآكل مؤسسات الدولة — يصبح السؤال عن تجديد النخب السياسية أكثر من ترفٍ فكري. هل تسعى الأحزاب اللبنانية فعلًا إلى إنتاج قيادات أكثر كفاءة تشريعية واقتصادية، أم أنها تكتفي بإعادة تدوير الأسماء ذاتها ضمن توازنات تقليدية تحافظ على البنية القائمة ولو على حساب المصلحة العامة؟
منذ عام 2019، حين انفجرت الأزمة المالية وتهاوت الثقة بالمصارف والعملة والمؤسسات، وُضعت الأحزاب أمام امتحان غير مسبوق. غير أن المشهدين الانتخابي والسياسي أظهرا أن معظم القوى التقليدية لا تزال متمسكة بقياداتها المركزية، مع هامش محدود للتجديد.  تختلف الأحزاب في تموضعها السياسي والإقليمي، لكنها تتشابه في مركزية القرار، وفي آليات ترشيح يغلب عليها معيار الولاء والتمثيل الطائفي على حساب الكفاءة التخصصية.
المشكلة ليست في الأشخاص فحسب، بل في الثقافة التنظيمية. فالتجديد الحقيقي لا يعني إدخال أسماء شابة إلى اللوائح الانتخابية فحسب، بل إعادة تعريف دور النائب:  من وسيط خدمات إلى مشرّع ورقيب فعلي على السلطة التنفيذية.  لبنان اليوم يحتاج إلى نواب يمتلكون فهمًا عميقًا للمالية العامة، وإعادة هيكلة الدين، وإصلاح النظام المصرفي، وإقرار قوانين حديثة في الحوكمة والشفافية.  هذه مهام تقنية بامتياز، تتطلب خبرات اقتصادية وقانونية تتجاوز الخطاب التعبوي.
يدافع البعض عن بقاء القيادات التقليدية بحجة الخبرة السياسية في بلدٍ معقّد التوازنات. غير أن الخبرة التي لا تُنتج حلولًا  بل تتحول إلى عبء.  فالسنوات الماضية أظهرت أن التمسك بالنهج ذاته يقود إلى النتائج ذاتها:  عجز مالي مزمن، وتراجع في الخدمات، وهجرة كثيفة للكفاءات.  التجديد هنا ليس شعارًا أخلاقيًا، بل ضرورة بنيوية لإعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن النظام الانتخابي نفسه يعزّز الاصطفاف الطائفي، ما يجعل الناخب أسير معادلة  "الأقرب طائفيًا" بدل  "الأكفأ وطنيًا". ومع ذلك، أظهرت الانتخابات الأخيرة صعود شخصيات مستقلة وقوى تغييرية، وإن بقي تأثيرها محدودًا.  وهذا يدل على أن المزاج الشعبي يتحول تدريجيًا، وأن فكرة المحاسبة لم تعد مستحيلة.
السؤال الأكثر حساسية يتعلق بنظرة الأحزاب إلى جمهورها.  هل تعتبره شريكًا في صنع القرار، أم قاعدة تعبئة تُستدعى عند الاستحقاقات؟ إن استمرار العلاقة العمودية — حيث تقرر القيادة ويتبع الجمهور — يقوّض أي إمكانية لنضج سياسي.  فالمواطنة الحديثة تقوم على المساءلة، لا على الطاعة.
داخل معظم الأحزاب طاقات شابة تحمل شهادات عليا وخبرات دولية، لكنها تصطدم غالبًا بسقوف غير مرئية.  واختبار النضج يكمن في السماح لهذه الطاقات بالصعود، لا بوصفها واجهة تجميلية، بل مشاركة فعلية في القرار. فالأحزاب التي لا تجدد دماءها محكومة بالتآكل، حتى لو بدت قوية في اللحظة الراهنة.
لبنان يقف اليوم أمام خيارين:  إما أن تعيد الأحزاب تعريف نفسها بوصفها مؤسسات سياسية حديثة قائمة على البرامج والكفاءة، وإما أن تبقى أسيرة الزعامات التاريخية حتى يفرض الواقع تغييرًا قاسيًا. فالتجديد ليس انقلابًا على الماضي، بل تصحيح لمسار أثبت عجزه.  وفي زمن الانهيارات الكبرى، يصبح السؤال عن نوعية القيادات مسألة بقاء وطني، لا مجرد تنافس انتخابي.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته