مستقبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية: بين فرص الانفراج وتحديات التصعيد
سجاد العابدي
تشهد مسألة مستقبل المفاوضات بين إيران و الولايات المتحدة الأميركية اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، نظرًا إلى ما تحمله هذه العلاقة من تأثيرات مباشرة على أمن الشرق الأوسط، واستقرار أسواق الطاقة، وشكل النظام الدولي في مرحلة تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن يومًا علاقة ثنائية بسيطة، بل كانت على الدوام ساحة لتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية، وميدانًا لاختبار موازين القوة والديبلوماسية.
على مدى العقود الماضية، تذبذبت المفاوضات بين طهران وواشنطن بين فترات انفتاح نسبي وفترات توتر حاد. هذا التذبذب لم يكن ناتجًا فقط عن الخلافات الجوهرية حول البرنامج النووي أو السياسات الإقليمية، بل أيضًا عن التحولات الداخلية في كلا البلدين. ففي إيران، تلعب التوازنات بين المؤسسات السياسية، والرأي العام، والاعتبارات الاقتصادية دورًا مهمًا في تحديد سقف المرونة التفاوضية. أما في الولايات المتحدة، فإن تغير الإدارات، وتبدل أولويات السياسة الخارجية، وضغوط الكونغرس والحلفاء، كلها عوامل تؤثر بعمق في مسار أي حوار محتمل.
عند النظر إلى المستقبل القريب، يمكن القول إن فرص استئناف المفاوضات أو تطويرها ستظل قائمة، لكنها ستكون محكومة بشروط معقدة. فمن جهة، تدرك إيران أن استمرار العقوبات الاقتصادية يفرض ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الوطني، ويؤثر في معيشة المواطنين، ويحد من قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد. ومن جهة أخرى، ترى الولايات المتحدة أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يحقق أهدافًا تتجاوز الملف النووي، ليشمل قضايا الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، وهو ما تعتبره طهران خطوطًا حمراء تمس سيادتها وأمنها القومي.
أحد السيناريوات المحتملة لمستقبل المفاوضات يتمثل في العودة التدريجية إلى مسار ديبلوماسي محدود، يقوم على خطوات متبادلة صغيرة تهدف إلى بناء الثقة. في هذا الإطار، قد نشهد تفاهمات جزئية تتعلق بتخفيف بعض العقوبات مقابل التزامات تقنية أو رقابية معينة. هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حلًا شاملًا للخلافات، لكنه قد يساهم في خفض مستوى التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل حساسية الأوضاع الإقليمية.
في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو الجمود الطويل، حيث تستمر الاتصالات غير المباشرة دون تحقيق اختراق حقيقي. هذا الجمود قد يكون مريحًا نسبيًا لبعض الأطراف التي ترى في إدارة الأزمة، بدل حلها، خيارًا أقل كلفة سياسية. لكن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر تراكمية، إذ إن أي حادث أمني أو تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى انهيار قنوات التواصل الهشة، ويفتح الباب أمام تصعيد يصعب احتواؤه.
العامل الإقليمي يشكل بدوره عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح المستقبل. فالتطورات في الشرق الأوسط، سواء ما يتعلق منها بالصراعات القائمة أو بجهود التهدئة والمصالحة، تؤثر بشكل مباشر في حسابات طهران وواشنطن، كما أن مواقف القوى الإقليمية الأخرى، التي قد ترى في أي تقارب إيراني-أميركي تهديدًا أو فرصة، تلعب دورًا في تسريع أو إبطاء المسار التفاوضي. لذلك، فإن أيّ مفاوضات مستقبلية لن تكون معزولة عن السياق الإقليمي الأوسع.
على الصعيد الدولي، يزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. هذا الواقع يمنح إيران هامشًا أوسع للمناورة الديبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها تحديات تتعلق بتجنب التحول إلى ساحة صراع بالوكالة. أما الولايات المتحدة، فهي تسعى إلى إدارة ملف إيران ضمن أولويات عالمية متعددة، تشمل التنافس مع قوى أخرى، والحفاظ على تحالفاتها التقليدية، ومنع انتشار الأزمات.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مستقبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لن يكون خطيًا أو سهلاً على المتنبّئين، لأنه مسار يتأثر بتفاعل عوامل داخلية وخارجية، وبقدرة الطرفين على تقديم تنازلات محسوبة دون المساس بجوهر مصالحهما. النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية بعيدة المدى، تدرك أن البديل عن الحوار ليس الاستقرار، بل مزيد من عدم اليقين.
ختامًا، يبدو أن الخيار التفاوضي، رغم كل ما يحيط به من صعوبات، يظل أقل كلفة من خيارات التصعيد والمواجهة. فالتاريخ القريب يثبت أن الأزمات المعقدة لا تجد حلولًا دائمة إلا عبر الديبلوماسية والصبر الاستراتيجي. ومن هنا، فإن مستقبل المفاوضات سيعكس في النهاية مدى استعداد إيران والولايات المتحدة للانتقال من إدارة الخلاف إلى محاولة معالجته، في عالم لم يعد يحتمل أزمات إضافية.
نبض