جورج كنيهر، مهندس مالي
في لحظةٍ يُفترض أن تكون إنقاذية، تواجه المالية العامة في لبنان معضلة مزمنة تتمثل في كيفية تحسين دخول العاملين والمتقاعدين في القطاع العام ضمن قيود عجزٍ مرتفع، واقتصادٍ يعاني تضخماً هيكلياً وتشوهات نقدية.
في هذا السياق، طُرح خيار ربط زيادات الأجور بإقرار ثلاثة إجراءات ضريبية متزامنة: زيادة على سعر صفيحة البنزين، فرض رسوم بالدولار على مستوعبات الاستيراد، ورفع معدل الضريبة على القيمة المضافة. كيف تؤثر هذه القرارات على التضخم وتوزيع العبء الضريبي، والاستدامة المالية؟
1. تقييم الإجراءات الضريبية المقترحة
أولاً: زيادة سعر البنزين
تمثل زيادة الوقود ضريبة غير مباشرة واسعة الانتشار، إذ تنتقل كلفتها عبر سلاسل التوريد والنقل إلى معظم السلع والخدمات. من منظور اقتصادي، يؤدي ذلك إلى تضخم مدفوع بالكلفة يرفع المستوى العام للأسعار بصورة شبه دائمة، ما يقلّص الدخل الحقيقي، خصوصاً لدى أصحاب الدخول الثابتة.
ثانياً: رسوم الاستيراد بالدولار على المستوعبات
فرض رسوم ثابتة بالدولار يضيف عنصر دولرة كلفية للأسعار المحلية. ينتقل الرسم مباشرة إلى سعر البيع النهائي، ويزيد حساسية الأسعار المحلية للصدمات الخارجية، بغض النظر عن تقلبات سعر الصرف. هذا الإجراء يضعف القدرة التنافسية ويضغط على الاستهلاك.
ثالثاً: رفع الضريبة على القيمة المضافة (VAT)
الـVAT ضريبة استهلاكية ذات طابع تنازلي (Regressive)، حيث تتحمل الأسر منخفضة الدخل عبئاً نسبياً أعلى. رفع المعدل بنقطة مئوية ينعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية، ما يفاقم عدم المساواة ويحدّ من الطلب الحقيقي.
2. الأثر الكلي والتوزيعي
الأثر الكلي: اجتماع هذه الإجراءات في توقيت واحد يضاعف الأثر التضخمي، ويخلق حلقة أسعار -أجور قصيرة الأجل: ترتفع الأجور اسمياً، ثم تُمتص سريعاً عبر الأسعار.
الأثر التوزيعي: يتحمل العبء الأكبر ذوو الدخل المحدود والمتوسط، بينما تبقى القاعدة الضريبية الريعية والتهرّب الضريبي أقل تأثراً، ما يخلّ بالعدالة الضريبية.
3. الاستدامة المالية والمخاطر
تمويل إنفاقٍ جارٍ عبر ضرائب استهلاكية سريعة التحصيل قد يحسّن التدفقات النقدية قصيرة الأجل، لكنه يفتقر إلى الاستدامة. فالتضخم الناتج يقلّص الطلب الحقيقي، يحدّ من نمو الإيرادات مستقبلاً، يزيد الطلب على العملات الأجنبية والمعادن ويرفع مخاطر الهبوط للعملة المحلية، وتفاقم الضغوط الاجتماعية. تاريخياً، تُظهر هذه المقاربة مخاطر إعادة إنتاج دورات تضخمية بدل تصحيح اختلالات المالية العامة.
4. بدائل سياساتية أقل تضخماً
• استهداف الزيادات للأكثر تضرراً بدل تعميمها.
• توسيع الوعاء الضريبي عبر تحسين الامتثال ومكافحة التهرّب، بدل رفع المعدلات.
• تعزيز الضرائب التصاعدية على الريوع والأرباح غير المنتجة لتخفيف العبء عن الاستهلاك.
• ربط الأجور بإصلاحات إنتاجية في القطاع العام لتحسين القيمة المضافة مقابل الإنفاق.
• تدرّج زمني في أي تعديل ضريبي لتخفيف الصدمة السعرية.
إن ربط زيادات الأجور بحزمة ضرائب استهلاكية متزامنة يحمل مخاطر تضخمية واضحة، ويضعف الأثر الحقيقي للزيادات، ويثير إشكالات عدالة واستدامة. المعالجة الفعّالة تتطلب إعادة توجيه السياسة المالية نحو مصادر إيراد أقل تضخماً، وإصلاحات بنيوية تعزّز الإنتاجية، بما يحقق تحسيناً حقيقياً ومستداماً في الدخل والقدرة الشرائية. ما لم تُفكّك الحكومة حلقة "الأجور- الضرائب – التضخّم"، ستبقى الزيادات مجرّد أرقامٍ على الورق، فيما الواقع المعيشي يزداد قسوةً يوماً بعد يوم. فمتى تنفجر الفقاعة؟
نبض