رئيسة المركز التربوي تُحرّك المياه الراكدة في ملف المناهج
الدكتور طوني خليل
في بلدٍ يرزح نظامه التعليمي تحت وطأة الأزمات المالية والمؤسساتية، يبرز الدور الذي تؤديه رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء البروفسورة هيام اسحق بوصفه محاولة جدية لإعادة تحريك ملف تحديث المناهج التربوية بعد سنوات طويلة من المراوحة.
منذ تولّيها المسؤولية، وضعت رئيسة المركز قضية تطوير المناهج في صدارة النقاش التربوي، معتبرة أن إصلاح التعليم يبدأ من المحتوى قبل البنية، ومن الرؤية قبل الأدوات. هذا التوجّه أعاد الاعتبار إلى فكرة أن المدرسة ليست مجرد مساحة لتلقين المعارف، بل مؤسسة لصياغة الإنسان القادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
اللافت في مقاربتها أنها اعتمدت مساراً تشاركياً، فوسّعت دائرة النقاش لتشمل خبراء تربويين وأساتذة جامعات ومعلّمين، إلى جانب الانفتاح على الهيئات الدولية المعنية بالتعليم. هذا النهج ساهم في نقل ملف المناهج من كونه مشروعاً إدارياً تقنياً إلى قضية رأي عام تربوي، ترتبط مباشرة بمستقبل الأجيال وبقدرة لبنان على النهوض.
كما دفعت رئيسة المركز نحو إدخال مفاهيم تربوية حديثة في صلب النقاش، من بينها التعليم القائم على الكفايات، وتعزيز التفكير النقدي، وربط المعرفة بالحياة اليومية، إضافة إلى دمج المهارات الرقمية والتربية على المواطنة. وهي عناصر باتت تشكّل معياراً عالمياً لأي نظام تعليمي يسعى إلى البقاء فاعلاً في القرن الحادي والعشرين.
ولم يقتصر دورها على مستوى الرؤية، بل امتد إلى إعادة تفعيل ورش العمل التقنية، وتنظيم مسارات إعداد المناهج، وتحسين أدوات التقييم والبحث التربوي، بما يعيد للمركز موقعه الطبيعي كمحرك للسياسة التربوية لا كمؤسسة إدارية جامدة.
صحيح أن الطريق ما زال طويلاً، وأن أي إصلاح تربوي يحتاج إلى غطاء سياسي وتمويل مستقر، إلا أن ما تحقق حتى الآن يشير إلى محاولة جدية لكسر الجمود الذي طبع ملف المناهج منذ أكثر من عقدين. وإذا ما توافرت الظروف الداعمة، فقد يشكّل هذا المسار بداية فعلية لإعادة بناء التعليم الرسمي، بوصفه أحد آخر ركائز الدولة القادرة على إنتاج مستقبل أفضل.
نبض