لبنان في "غرفة الانتظار" الدولية: حين تصبح السيادة رهينة "البازار" الإيراني- الأميركي
بقلم نانسي اللقيس
لم يعد سراً أن القرار اللبناني، بكل مندرجاته السياسية والأمنية، بات مشلوعاً على رصيف التجاذبات بين واشنطن وطهران. فبينما تحاول القوى السيادية اللبنانية استعادة الحد الأدنى من "مؤسسات الدولة"، يصرّ النظام الإيراني، عبر ذراعه المحلية، على إبقاء لبنان "ساحة إسناد" وورقة تفاوضية رابحة في ملفاته الإقليمية والنووية. إن القراءة الهادئة لما يجري اليوم من تحركات ديبلوماسية وقرارات دولية احترازية تشير إلى أننا لسنا أمام أزمة محلية، بل أمام "لحظة ارتطام" بين مشروعين لا يلتقيان.
من منظور جيو-سياسي، لا تتعامل طهران مع بيروت كعاصمة لدولة مستقلة، بل كـ"أصل استراتيجي" متقدم يوفر لها قدرة المشاغبة والردع. إن الإصرار على ربط مصير رئاسة الجمهورية والحكومة بـ "توازنات المحور" هو ترجمة حرفية للرغبة الإيرانية في منع قيام أي سلطة لبنانية قد تطرح بجدية ملف حصريّة السلاح أو تنفيذ القرارات الدولية (1559 و1701). الهدف الإيراني واضح: إبقاء لبنان في حالة "اللاموت واللاحياة" لضمان بقائه خندقاً متقدماً يحمي مصالح طهران عند الضرورة.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة استراتيجية تقوم على "تجفيف" منابع القوة لهذا النفوذ. فالضغط الأمريكي الحالي، الذي يتجاوز العقوبات المالية ليصل إلى حد العزل الديبلوماسي في حال استمرار الهيمنة، يهدف إلى إحراج البيئة الحاضنة للمشروع الإيراني ووضعها أمام خيارين: إما الانهيار الشامل أو فك الارتباط. واشنطن تدرك أن مفتاح الحل في لبنان يمر عبر إضعاف القدرة الإيرانية على تمويل "الدويلة"، وهو ما يفسر التشدد في مراقبة القطاع المالي والحدود.
تجد القوى السيادية اللبنانية نفسها اليوم في وضع حرج؛ فهي تدرك أن الحوار مع طرف يملك فائض قوة عسكرياً وأجندة عابرة للحدود هو حوار عقيم. التحليل السياسي يشير إلى أن أي تسوية قادمة بين واشنطن وطهران قد تأتي على حساب "سيادة لبنان" إذا لم تكن هناك كتلة لبنانية وازنة تفرض "اللبنانية أولاً" كشرط لأي اتفاق. إن خطورة المرحلة تكمن في أن يتحول لبنان إلى "جائزة ترضية" في صفقة إقليمية، يُسمح فيها لإيران بالاحتفاظ بنفوذها السياسي مقابل ضمانات أمنية معينة.
لبنان اليوم هو "المرآة" التي تعكس حدة التنافس الأمريكي-الإيراني. فإما أن ينجح الضغط الدولي في فك الارتباط بين بيروت وطهران، مما يفتح الباب لاستعادة الدولة ومؤسساتها، وإما أن يستمر منطق "قضم المؤسسات" بانتظار تعليمات الخارج، مما يعني بقاء لبنان خارج الخارطة الدولية لسنوات قادمة. الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن "الاحتلال المقنع" عبر الميليشيات هو العائق الوحيد أمام أي نهوض، وأي تحليل يتجاهل هذه الحقيقة هو مجرد "تجميل" لواقع الانحدار المستمر.
نبض